التربية الإنسانية: كيف نربي أولادنا؟ ولماذا يرتدي “بابا نويل” اللون الأحمر؟

مما لا شك فيه، تعتبر تربية الأبناء من أهم المواضيع إن لم نقل أهمها على صعيد بقاء الإنسانية وديمومتها، حيثُ أنّ المستقبل الآتي سيكون إنعكاساً مباشراً لما نخلّفه وراءنا، ولأنّ من أهم ما نتركه فيما نتركه حين نرحل هو أثر صالح، إن كان في عملٍ قمنا به أو في ولدٍ أنجبانه وقمنا بتربيته. من هنا، سنحاول عبر هذا الموضوع تناول إشكالية التربية، وبالتالي سيتمحور نقاشنا حول سؤال واحد: كيف نربي أولادنا وعلى أيه أُسُس؟

سنعمد على تشبيه الإنسان “تقيناً” بالنظام، بأي نظام يتألف من ثلاث خطوات أساسية: (1) الإدخال، (2) المعالجة، (3) والإخراج. حيث نقوم خلال تربيتنا للأولاد بعملية إدخال “المعطيات” إلى كيانه الذي بدوره يكون مبرمجاً على معالجتها لكي يعطي ما يعطيه حسب “المعطيات” التي أدخلها أو أُدخلت إليه.

بالتالي، عبر إعطائنا الطعام للولد، سيقوم جسمه بهضمها، فيأخذ ما يأخذ منه من طاقة تُحركه وتساعده على النمو ويرمي الفضلات. لكننا هنا لن نتعرّض لناحية الطعام ليس لأنه دون أهمية، ولكن لأن المعلومات عن هذا الموضوع متوفرة بشكل كبير وقد نعود إلى تناولها في موضوع آخر. أما عبر هذه الورقة سنقوم بمعالجة الغذاء الروحي والفكري وما ينبغي علينا تزويدهم به وزرعه في جماجمهم وكيفية تقديمه للأبناء، لذلك سنقسّم الموضوع إلى أربعة أجزاء: في الجزء الأول نسأل عن الدين وأي دين أو غذاء روحي نعطيه لهم؟ الجزء الثاني يتناول موضوع سُبل الإرتزاق والمهن التي ندفع أولادنا إلى إمتهانها؟ أما الجزء الثالث، سيعالج الشق الإجتماعي وطرح الأسئلة عن علاقتنا بأولادنا وعلاقتهم بالمجتمع من حولهم. وفي الجزء الأخير، نتعرّض  للأفكار المفاهيم السياسية.

الدين: أي دين؟

سيحوز الدين على الإهتمام الأكبر في موضوعنا، لأننا نعتبر الإنسان أكثر من مجرد آلة أو نظام جامد، وإنما أبعد من ذلك في روحانيته وتأثره بأشياء غير ملموسة لا يمكن حصرها وتبقى دون حدود القياس، ولكنّ هذه الأحاسيس تمثّل حاجة أكثر من ضرورية تفوق حاجة الإنسان إلى الطعام: الإطمئنان، الإيمان… ومن هنا نبدأ.

من الأسئلة البديهية التي من المفروض أن نطرحها على أنفسنا عندما نكبر: ماذا لو كنا وُجدنا في بيئة دينية مختلفة؟ إذ من الواضح أنّ الأفراد تتبع لأقصى الدرجات دين أهلها. لذلك، من الضروري التشكيك في صحة الدين بل الأديان كلها وبالتالي السؤال عن الدين الذي سنعلّمه لأولادنا؟ وهذه المشكلة تزداد أهمية في منطقتنا العربية واللبنانية نظراً لتعدد الأديان وللحساسية التي نشأت ليس فقط بين مختلف الأديان ولكن أخذت تنمو تلك الحساسية وتكبر حتى داخل الدين الواحد بمذاهبه المتنوعة. وبغض النظر عن صراع المؤسسات الدينية المبطّن والتسويق بشكل مباشر أو غير مباشر للدين، يقوم الأهل أصلاً بزرع بذور ديانتهم في قلوب أبنائهم وجماجمهم بالإضافة إلى سياسة الدولة (اللبنانية) التي تزرع الطائفية في نفوس البشر فور ولادتهم على شهادات ميلادهم وبالتالي يُصبح الواحد منا مُقيّداً منذ نَفَسِه الأول بدِينٍ قد يتمسّك البعض فيه ويتمسك الغالبية به، وقد يُشكل فرقاً عن القلّة.. ولكن المشكلة تكمن في صعوبة مراجعة وتعديل الأفكار الدينية عند كل من يكلّف نفسه عناء المحاولة نظراً للتعقيدات والترسّبات التي تراكمت على مدى عُمرٍ من التلقين والحشو والطقوس التي تأتي مرافقة لكل حالة دينية، وهذه الطقوس بالتحديد ما يجعل الدين يترسخ أكثر فأكثر في الذهن والفكر، كالعادة في تكرارها تثبيت لها.

إذن، يبقى السؤال، أي دين لأبنائنا؟ هل من المفروض الإطلاع على كل الأديان وبالتالي تعريف أولادنا عليها كلها ونترك الخيار لهم؟ ولو افترضنا أنّ الأهل قادرين على القيام بهذه المهمة، فإذا كانوا مؤمنين بديانة معنية ستفشل المهمة لغياب الموضوعية، هذا دون التفكير بتأثير المحيط خارج المنزل وفي المدرسة. لذلك لا نعتقد أن هذه الطريقة تفي بالغرض.

ولا بد لنا من تعريف الدين ومحاولة تحليل مساره أو مساراته ولو بشكل ملخص من أجل إيجاد طريقة مناسبة كي نعرّف أبناءنا عليه. يمكن لنا تعريف الدين (دين الإنسان ـــ فراس السواح) على أنه دين فردي وإحساس خاص ينبت داخل كل نفس كحاجة تُميّز الإنسان عن غيره من الموجودات، ثم يتحول هذا الإحساس إلى دين جماعي عندما تتفق جماعة من البشر على الفكرة والشعور حتى يتأسس لها، وأخيراً تنشأ المؤسسة الدينية التي تخط النصوص وتهذبها ويرافق ذلك نشر القصص والأساطير إلى توليف الطقوس من أجل ممارستها بوتيرة ونهج يتناسب مع كل جماعة وكل ظرف ومكان. (سوف نعود في موضوع منفصل لتناول موضوع الدين والأديان)

إذا نظرنا عن كثب فيما يحصل اليوم على هذا الصعيد، فنجد أن الأهل (بالإضافة إلى المحيط والمدرسة) يدفعون أولادهم إلى ممارسة الطقوس وحفظ النصوص قبل أن يكتمل وعيهم حتى، أي بطريقة مغايرة للمنطق، فلا نترك لهم المجال للإحساس الخاص والنابع من دواخلهم. ومن هنا نجد أولاً هذا الشرخ المتعلّق بعدم تصالح الأشخاص مع ذواتهم وديانتهم فيذهبون إما إلى الإبتعاد عن الدين الذي تمّ تناوله على مائدة طعامهم وإما إلى التمسك والتعصب لهذا الدين أو غيره،  وكلّ من هاتين الحالتين يمثل وجهاً لعملة واحدة: عدم فهم الدين وإن بشكلين متناقضين للتطرّف. وثانياً، نجد هذا الركود على صعيد ظهور أديان جديدة، لأنه كما ذكرنا لم يعد هناك متسعاً لأفكار ومفاهيم جديدة نظراً لثبيت دين معين في نفوس الأفراد كما ذكرنا منذ ولادتهم.

من جهة أخرى، إذا حاولنا التعرّض للمُشترك الذي يجمع بين أغلب الأديان نجد الأخلاقيات والدعوة إلى القيام بالحميدة منها، لذلك نعتقد أنّ الطريقة الأفضل في تعليم الدين: أن نقوم بتعليم أولادنا الحب والمحبة والتسامح وعدم الكذب وعدم السرقة … إلخ. ونترك لهم كل المجال للتعرّف على منبع روحهم والملجأ.

سُبل الإرتزاق: أيّ عمل لأولادنا؟

إنّ الإسئلة التي نطرحها في هذا القسم من الموضوع تتعلّق بكيفية تحضير أولادنا إلى سوق العمل، بطبيعة الحال يبدو الحال هنا أقل تعقيداً عن باقي الموضوعات المتعلقة بتربية الأبناء، خاصة وأنّ هذه المرحلة تتبلور في عمر متقدّم ووعي مكتمل يسمح للفرد إبداء رأيه وإختيار ما يناسبه والتطلعات. ولكننا نسأل إن كان يحق لنا تحقيق ذواتنا عبر أولادنا في مهنة أحببنا أن نعمل بها ولم نستطع أو في مشروع حاولنا القيام به ولم يتحقق. من هذا المنطلق، إن عملية إختيار المدرسة واللغة الثانية سوف تشكل فرقاً في مستقبل الأفراد. ومن حسن الحظ أن بعض المدارس توّفر لغتين بالإضافة إلى اللغة العربية.

من جهة ثانية، وفي غياب الدولة وبالتالي التخطيط لمستقبل البلد وحاجته عبر التركيز على مهن ومجالات عملٍ تناسب البلد وطبيعته، يتوجب على الأهل مواكبة التغيرات على الصعيد الإقتصادي والخروج من الصورة النمطية التي تصنّف المهن ومجالات العمل إلى درجات حسب المركز، فيصبح المهندس والطبيب والمحامي وما شاكل من المهن المحببة والمفضلة بغض النظر عن إمكانية العمل في هذا المجال.

 على الصعيد الإجتماعي: ذوبان

يبدو الشق الإجتماعي في تربية الأولاد دون أهمية لأنه يشكل عملية تراكم ترافق الولد منذ ولادته حتى إكتمال وعيه ولا تنتهي عند هذا الحدّ لأن كل الخيارات التي سيعتمدها في إدارة علاقته مع مجتمعه ستكون نابعة من خزان ذاكرته التي لَمْلَمت من المشاهد والسلوكيات ما يكفي كي تؤثر على خياراته. فمن المفروض على الأهل التنبه إلى ما يصل إلى الولد من علاقة الزوج ببعضه، ومن المفيد أيضاً السؤال عن علاقة كل من الأم والأب بالأولاد، وأن يمتثلوا للمقولة التي تعني “أن أولادنا ليسوا لنا” ليسوا ملكاً لنا نتحكم بهم ونسّيرهم كما نشاء. في ذات الوقت، ولكي لا يتحول هذا الموضوع إلى إرشادات لن نعمد إلى تلاوة السلوكيات المفضلة في العلاقات بين الأفراد إن كانت داخل البيت أو خارجه، ولن نحاول المقارنة بين الأساليب الشرقية والغربية… لأن الهدف من هذه المحاولة كان مجرد طرح للأسئلة ولفت الأنظار على أهميتها بالإضافة إلى ترابط فقراتها بعضها ببعض، فالدين على سبيل المثال له أثره المباشر على طراز المجتمع، وطرق الإرتزاق أيضاً تترك بصماتها على سلوكيات الجماعات.

في السياسة: المهمة المستحيلة

وصلنا وأخيراً إلى المعضلة الكبرى والسؤال عن المفاهيم السياسية التي ومن خلال تربيتنا سنعرضها على أولادنا. فهنا سيقف أشدّ المطلعين عاجزاً عن تفسير مفهوم أو فكرة سياسية واحدة من دون الرجوع إلى الإقتصاد، لأن المال وحده يبقى التفسير الوحيد لكل حركة سياسية يقوم بها هذا الفريق أو ذاك. ومن جهة أخرى، وفي ظل غياب المفاهيم السياسية النقية إن كانت على اليمين أو على اليسار ـــ حيث ذاب كل نهج في الآخر ـــ لم يبقى لديك ما تعطيه في هذا المضمار، لأن لكل مناورة تبريرها، حتى الخيانة والعمالة، حتى القتل والإجرام، والظلم والعدوان، سيجد المال تفسيراً وتبريراً لكلّ الحالات الشاذة.  بالإضافة إلى التغيرات التي تحصل وبسرعة كبيرة، سيضحكون علينا أولادنا إذا وجدونا طرف في النزاع اللبناني مثلاً (لا سيما إسمهما 8 و 14) ولم يجدوا لا الماء ولا الكهرباء ولا الأمن ولا الأمان… حيث لا مكان للوسطية الرمادية والباهتة.. لذلك لا مفرّ من الإهانة عند الدفاع عن أي نظام سياسي ولا مكان للهروب من الواقع بالحقيقة التي ستكون متجلية أكثر فأكثر لكل عاقل يبحث عنها.

 في الختام، لا أعرف بالتحديد لماذا يرتدي بابا نويل اللون الأحمر، ولم أسأل العَم غوغل عن هذا، ولكن طرح السؤال كان من باب الشبه غير المباشر مع موضوعنا (كيف نربي؟).

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: