النظام التعليمي في لبنان: مشاكل ومشاكل

بالرغم من الإنقسام الحاصل على كافة المستويات بين مختلف فئات الشعب اللبناني، يمكننا القول أن الجميع متفق على توصيف حالة البلد الهابطة على شتى الصعد الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. أما أسباب هذه الحالة فتكاد لا تحصى هنا، لكننا وفي إطار البحث عن جذور الأزمة اللبنانية وإستمرار تفاقمها، نتناول في هذا الموضوع مشاكل النظام التعليمي ـ التربوي في لبنان كواحدٍ من أهم الأسباب التي لا تساعد في تحسين الأوضاع لا بل تزيدها سوءاً. مما لا شكّ فيه أن التربية ترتبط إرتباطاً وثيقاً بتقدم المجتمعات، فالأمة التي يتقدّم فيها التعليم من المفروض أن تشهد التقدّم والعكس صحيح. ومما لا شك فيه أيضاً أن النظام التعليمي في لبنان قد تطوّر بإستخدام أساليب متطورة وإعتماد طرائق جديدة في التعليم إلاّ أنه يُبقينا حيث نحن في مستنقع من الفوضى المنتشرة على مساحة البلد. ما هي مشاكل النظام التعليم في لبنان إذن؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه فيما يلي.

الدين: بين القطاع التربوي الحكومي والخاص

يستوعب القطاع التربوي الخاص في لبنان أكثر من 65% من إجمالي عدد الملتحقين بمراحل التعليم المختلفة [1] وتتفاوت هذه النسبة حسب كل مرحلة وترتفع في الروضة ومرحلة التعليم الأساسي (الإبتدائي والتكميلي)، والواقع يشير إلى ضعف الروابط والتنسيق بين القطاعين الرسمي والخاص. فتعليم الدين مثلاً يشكل مادة مهمة في المدارس الخاصة وبطبيعة الحال لكل مؤسسة صبغتها الدينية والطائفية الخاصة مما يشكل فرقاً جوهرياً في الجو العام للتربية بين مدرسة وأخرى ليتعدّى الدين على باقي المواد التعليمية فالفلسفة تصبح إسلامية

مثلاً في المدارس الإسلامية على سبيل المثال. أما الأخطر يكمن في إزدياد الإنقسام الطائفي في البلد بسبب نظام تربوي أسس وما زال يؤسس لللإختلاف بين المواطنين. وهذه النقطة بالذات تحتاج إلى دراسة طويلة ومعمقة للدلالة على خطورتها وقد نتعرض لها في موضوع منفرد في وقت لاحق.

الببغائية في التعليم

ما زالت المدارس بمعلميها تُجهد التلاميذ في حفظ النصوص التاريخية والجغرافية والتربية المدنية وغيرها من مواد بطريقة ببغائية لا تغني ولا تسمن من علم، إذ أن التلقين بهذه الطريقة (حفظ غيباً) يحد من قدرة العقل على التفكير جراء الإنشغال في الحفظ وكحمل إضافي فوق ظهر التلميذ(ة)، وفي المحصلة ينسى الطالب كل هذه المواد ومحتوياتها بعد فترة قصيرة من الوقت. ففي هذا المجال، تشكل الأفلام التاريخية بوفرتها اليوم طريقة أفضل لتعليم الأجيال على تاريخهم وتاريخ الشعوب والكوكب والمجرّة مثلاً، أو من يرغب يمكنه أن يجد ما يبحث عنه إذا أراد.

الدروس الخصوصية
في أكثر مشهدية لفشل النظام التعليمي في لبنان، نجد الأهل يبحثون مع بداية العام الدراسي عن معلمين ليعطوا دروساً خصوصية لأولادهم، هذه الحاجة إلى الدروس الخصوصية ليست حكراً على قطاع دون آخر أو مدرسة دون أخرى وإنما حالة عامة تزداد عاماً بعد عام. وعلى هذا الصعيد نسأل عن السبب والحاجة إلى هذه الدروس، هل هو غياب الكفاءة في صفوف المعلمين في المدارس؟ أم أنه عدد الطلاب في الصف الواحد؟ أم أنه كمية “الحشو” الذي يُعطى للطالب (ة).. أياً تكن الأسباب فالدروس الخصوصية مشكلة كبيرة تُسجل على النظام التعليمي مع أنها تشكل باب رزق لعدد من الطلاب الذين يتخرجون ولا يجدوا عملاً.

ساعات الدراسة
تتراوح ساعات التعليم في لبنان في المراحل الدراسية الأساسية والثانوية ما بين ٦ و٩ ساعات في اليوم على مدار خمسة أيام في الإسبوع وإحدى عشر شهراً في السنة، يعود التلميذ من المدرسة محملاً بكميات هائلة من الواجبات المدرسية حيث يتسابق المعلمون على إعطاء الواجبات وما تتضمنه من نصوص تفرض على التلامذة بالعبارة الشهيرة “حفظ غيباً” فلا وقت لديه إلاّ القيام بالواجبات المدرسية ولا ننسى حاجته إلى المساعدة في المنزل إن كان من الأهل أو إعطائه دروساً وساعات تعليم إضافية في المنزل ليفهم ما لم يستطيع فهمه في المدرسة. وبعفوية راديكالية يمكننا أن نسأل عن دور المدرسة إذن؟ إن لم تكن المكان الذي يتعلّم فيه الطالب ليعود إلى بيئته عارفاً بجديد الأمور!.

التوجيه والتخصص:
يفرز النظام التعليمي في لبنان الملتحقون به بطريقة حسابية تشبه يوم الحساب المزعوم لفرز البشر على الجنة والنار، فالجنة للذين ينجحون وذلك يمنحهم المتابعة في المرحلة الثانوية، أما الراسبون فهم أمام خيارين إما الإلتحاق بالقطاع المهني الذي يمثل النار وإما الخروج من النظام التعليمي (الإلحاد). فإذا أردت أن تلمس تجليات البؤس الأكثر شدّة على الكوكب ما عليك إلاّ الذهاب إلى المؤسسات المهنية والتقنية في لبنان سيما الرسمية منها والمتواجدة خارج المدن، فهناك يُعتقل الشبان والشابات وإلى هناك يُنفى كل متمّرد على شعار “حفظ غيباً” المدرسي. لا توجيه ولا من يتخصصون، إنّ المعاهد المهنية في لبنان هي عبارة عن ساعات عمل لأنصاف الموظفين ومأوى لغير الكفوئين. هذا الموضوع أيضاً سنعمل على التوسع فيه في موضوع منفرد.

الجامعات ع مد عينك والسفر
بعد المرحلة الثانوية تطاردك إعلانات الجامعات الخاصة في لبنان على الطرقات وفي كل مكان، أصبحت الجامعات الخاصة كسلسلة مطاعم ماكدونالدز والمقولة الشهيرة: عند كل غروب شمس هناك مطعم جديد للماكدو، عند كل عام دراسي جديد جامعة جديدة، إنها مؤسسات تجارية، وتجارة العلم في بلادنا مربحة، فالشباب الهارب من الجامعة اللبنانية ـ التي سنتحدث عنها أيضاً في موضوع منفرد ـ والباحث عن شهادة إما ليعلقها على حائط غرفته أو كي تخوله السفر بعيداً عن الخريطة العوجاء، ليس أمامه إلا دفع مبلغ من المال وله الشهادة.

مقدّمة
إنما أسوء أنواع التعليم ما يُفرض جبراً، فمشاكل التعليم التي عنوناها ليست كلها حكراً على الصناعة المحلية فقط، ولكن قسماً كبيراً منها يندرج في إطار المنظومة العالمية، إذ تعمل بعض الدول على إعادة النظر والتعديل على نظمها التربوية، سنبقى في لبنان كونه واحداً من الدول المستوردة لنظم التعليم الدولية، ونحاول معالجة كل موضوع على حدة لمعرفة حيثياته وأثره على الأوضاع العامة في البلاد، قد نبقي العناوين المذكورة كما هي أو نعدّل عليها، قد ندمج بعض الموضوعات مع بعضها أو نقسّم بعضها إلى أجزاء بما تقتضيه الحاجة، لكن العناوين العريضة التي ستلحق بهذه السلسلة سنتناول فيها:  (1) تعليم الدين في المدارس، (2) طرائق وطرائف التعليم، (3) كمية ونوعية الدراسة، (4) التوجيه والتخصص، (5) وأخيراً الجامعات.

ــــــــــــــــــــــــــ
[1] البرنامج التنموي  ٢٠٠٩ -٢٠٠٦ قطاع التعليم في لبنان
Advertisements

الأوسمة: , , , , , , ,

4 تعليقات to “النظام التعليمي في لبنان: مشاكل ومشاكل”

  1. القط Says:

    شكرًا حسين على الموضوع المهم. صحيح، مشكلة التعليم في لبنان كبيرة و معقدة، و أصبحت تجارة تتداخل فيها الطائفية و المصالح و العواطف.
    بالنسبة للجامعات، هناك نقص كبير في الثقافة العلمية، و بشكل خاص البحث العلمي الغائب بشكل كبير فيها. فكثيرة هي الجامعات التي تكتفي بمرحلة أو مرحلتين من التعليم الجامعي (٣ أو ٥ سنوات). في المقابل، لا يوجد سوى عدد قليل منها (و في إختصاصات محدودة) التي فيها مناهج دكتوراه أو التي تقوم بإجراء أبحاث علمية.

    • حسين رمّال Says:

      شكراً لك عادل على الإهتمام، سأحاول تكملة الموضوع لأني مؤمن بأن هذا القطاع يشكل النقطة الأساس في بناء المجتمعات… أما عن الجامعات فسيكون لدينا الكثير والكثير جداً من الملحظات، وبطبيعة الحال كما ذكرت هناك الكثير من الدور التجارية في البلد تنسب لكيانها صفة الجامعة مع أن هذه الصفة لا تعطى إلا للمؤسسات التي تنشر الأبحاث العلمية.

  2. Nabih ZBIB Says:

    أستاذ حسين في تقرير للصحافي رامي الأمين اليوم انعرض اول جزء عن مشاكل التعليم بالبلد
    بتمنى تكون عم تابعوا، بالفعل حط ايدو على الجرح
    عم قول جرح لأن بتعرف قديش نظام التعليم ظلمني وانتا ادرا
    على كل حال انا مشتقلك وبعدني كل ما بشتقلك بطلطل لهون
    بالامان يا طيب

  3. أحمد دسوقي Says:

    هل التعليم بنالنسبة لمادة الرياضيات مثلا موحدًا في كل لبنان على اختلاف مدرسها الخاصة والحكومية وأيضًا على اختلاف لغاته العربة إن وجدت والفرنسية والإنجليزية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: