مطبخ الغد: بين الحداثة والعودة إلى الجذور

طعام تم تقديمه في المعهد الفندقي التقني في كندا، اللفة الزرقاء عبارة عن بروتينات ملونة ومضاف إليها المعطرات. http://www.ithq.qc.ca

ما يعيشه الكوكب من مشاكل سياسية متنقلة بين بقعة وأخرى ينحدر من أزمة واحدة لازمت سكان المعمورة منذ الوقت، أما الكائن البشري الذي يُشكل سبباً رئيسياً في تفاقم الأزمة بسلوكه وتصرفاته مع الكوكب والموجودات ابتكر علم الإقتصاد في محاولة لحل إشكالية وجودية تتمثّل بالعلاقة بين الغايات الإنسانية غير المحدودة من جهة والموارد الطبيعة ذات الطابع المحدود من جهة أخرى. إنها أزمة الطاقة وندرتها كما أشار إليها الصديق طوني صغبيني في كتابه الأزمة الأخيرة. يمثلّ الغذاء جزءاً مما يستهلكه البشري من الموارد الطبيعة، سنحاول أن نتناول على هذه الورقة موضوع الغذاء وأساليب إنتاجه وإستهلاكه ونقدّم لمطبخ الغد الذي يُبحث فيه عن حلول ليس فقط للحدّ من ندرة الموارد بل أيضاً بحثاً عن أساليب أقل ضرراً على الصحة.

في الإشارة إلى حالة “بيتنا” أي كوكب الأرض أنتج المصّور والبيئي الفرنسي يان أرتوس برتران (Yann Arthus-Bertrand) فيلماً يعرض فيه حالة الطبيعة الأم، بيتنا، وما تعانيه، ما ينتظرنا إن لم نبذل جهداً في تغيير أساليب عيشنا.

نكتفي بكتاب الأزمة الأخير وبهذا الفيلم لتحديد الإطار العام للموضوع ونعود إلى المطبخ، حيث تزداد الحاجة لإطعام البشر مع إزدياد الأعداد (إلى أكثر من 9 مليارات نسمة في العام 2050) مع الإشارة إلى أن 50 بالمئة من سكان العالم اليوم يعانون من سوء في التغذية [1] بالإضافة إلى أنّ الغذاء يتطّور بشكل مستمر بأشكاله وأنواعه وبطبيعة الحال بكمياته، فيكون السؤال الوحيد في هذا السياق: كيف سيلبي مطبخ الغد حاجتنا إلى الغذاء في ظل الموارد الطبيعية المحدودة؟

الغذاء الجديد: Novel Foods
لا نتكّلم هنا عن الطعام السريع Fast Foods ولا عن المنتوجات الغذائية المعدلة جينياً وإنما عن منتجات غير متوفرة حالياً في الأسواق ولكن يعمل على تصنيعها في المختبرات حيث من الممكن جداً أن تشكل قريباً جزءاً من أطعمتنا. إنّ حاجات البشر المتزايدة للطعام جعلت عمليات الزراعة ترّكز في قسمها الأكبر على أصناف معدودة من الأطعمة، وهذا بالإضافة إلى الأعداد الهائلة للحيوانات من المواشي والدواجن التي تنفق يومياً لإطعام البشر. لقد بدأ العمل على الغذاء الجديد فعلياً في العام 2011 في السويد في مؤتمر ضمن العديد من الباحثين في مجالات مختلفة من أهمها البيولوجيا والبيئة والإجتماع والإقتصاد للبحث في إنتاج اللحوم في المختبرات in vitro أو بمعنى آخر عبر إستخدام الخلايا الجذعية ، وهذا يعني أنه من الممكن إنتاج قطع “الستيك” مباشرة في الإنبوب باستخدام الخلايا الجذعية ويتطلب الأمر تغذية الخلايا كي تنمو وذلك بواسطة الزراقم (blue-green algae) كي تبقى العملية في نطاق التنمية المستدامة.

إن الزراقم أيضاً أو ما يعرف بالبكتيريا الزرقاء ـ الخضراء تعتبر من أكثر الكائنات قيد الدرس والتجارب وفي مجالات مختلفة وأهمها إنتاج الطاقة الحيوية والمتجددة، في ذات الوقت تقدّم بعض أنواع هذه الزراقم [2] غنية جداً بالأوميجا ـ 3 قد يشكل بديلاً عن زيت الزيتون أو زيت دوار الشمس، في ذات السياق يتوفر زيت  “الكريل” (Euphausia superba) نوع من أنواع قريدس البحر. ونستطيع الإشارة إلى الفيتامينات الإصطناعية ضمن فئات الغذاء الجديد وبعض أنواع المشروبات السكرية المستخلصة من البكتيريا.

ما العمل؟
قد يمتعض البعض من مجرّد التفكير في كيفية إنتاجها (كالخلايا الجذعية) هذا الغذاء الجديد وهذا من دون أن نبحث في إذا كانت هذه المأكولات مضرة بالصحة. ولكن هل سنطيع أن نبذل جهدنا لتأخير وصول هذه المأكولات إلينا؟ وما هو السبيل إن لم يكن في إعادة التفكير بطرق إستهلاكنا للطعام؟!  ربما علينا أن نسترجع بعض من أطعمة أجدادنا لما فيها من فوائد صحية وبيئية على حدٍ سواء، ومن النصائح التي يمكننا في هذا السياق ذكرها هي:

عملية زرع خلايا جذعية لإنتاج الغذاء الجديد [3]

  • عدم الإكثار من تناول الطعام، فمن يريد أن يطول عمره مثلاً عليه أن يعرف أن يتناول كمية أقل من الطعام يساعده في ذلك أولاً، لأنه إذا استطاع أن يوفر من الطاقة المطلوبة لهضم الطعام ستاعده في بناء وترميم خلاياه.
  • عدم تناول اللحوم كل يوم، فحاجتنا إلى البروتينيات نستطيع أن نجدها في الحبوب أيضاً وبهذا تكون أسهل عملية الهضم. هذا إن لم نقل أن الطعام النباتي وحده قد يكون كافياً إذ عُمل على تنوعه.
  • إعادة النظر في طرق الطهي والإستفادة من المواد الغذائية المتواجدة في الأطعمة كما كان يفعل أجدادنا في مطابخهم البدائية، فعملية إضافة البرغل مثلاً فوق المرق المتبقي يعني الإستفادة من خواص الطعام التي تتواجد فيها المواد المغذية.
  • التوقف عن ذبح الخراف وتقديمها فدية “لكروشكم” يوم العيد وغيره خاصة المؤمنين منكم بالخالق الذي لا أظنه يريد أن يخجل عندما تنقرض الخراف في يوم من الأيام جراء طقوسكم الدينية. وكل يوم وأنتم بخير

يكفي هذا القدر البسيط حتى الآن وقد نعود بقسم آخر وتوصيات غذائية بموضوع مستقل. ما وجب التركيز عليه هو عدم إمكانية الهروب من حقيقة أنه إذا تابعنا ممارساتنا من دون التفكير في مستقبل الموارد يعني أننا نستعجل وجود الغذاء الجديد على موائدنا، هذا بطبيعة الحال إن لم نضطر أن نأكل بعضنا البعض من تحريض السياسة والدين والزيتون.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

[1]  Rastoin, J.L., 2006. “Le système alimentaire mondial est-il soluble dans le développement durable صفحة 5
[2] http://www.oilgae.com : Schiochytrium
[3] http://www.popsci.com/science/article/2011-08/engineers-laboratory-grown-muscle-figure-out-how-make-it-firm-and-strong
Advertisements

الأوسمة: , , , , , , , , , ,

5 تعليقات to “مطبخ الغد: بين الحداثة والعودة إلى الجذور”

  1. القط Says:

    أهلا حسين و عودة سعيدة. إشتقنا لك و لكتاباتك العلمية و القيّمة 🙂

    معك حق بخصوص الأغذية، و أنا أرَ أنه من دون إكتشاف مصدر جديد و وفير للطاقة، فإن المستقبل سيكون بالعودة إلى الجذور.

    • حسين رمّال Says:

      منور عادل، قال شو شفت إسمك ع موضوع خضر وقلت عادل، تأمرق سلّم ورحت قرأت كم موضوع على مدونتك وشردت
      قول أنا مشهور بغيباتي، بقطع فترة برجع برجع 😀
      تشتقلك العوافي صديقي وعسى تكون كل أخبارك بخير
      أما بخصوص الموضوع، من دون شك : راجعة المجدرة بإذن الله

      • القط Says:

        تبقى ما ترجع تعيدها و تغيب سنة 😉
        قليلة المدونات الجيدة و الكتابات الثرية العربية. الوطن العربي اليوم بحاجة لك و لكتاباتك أكثر من أي وقت مضى.
        تحياتي الحارة.

  2. Tony Saghbiny Says:

    عودة حميدة حسين، مشتاقين لهالموضوعات يا رجل 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: