في الماتركس الإنساني: رجفة على وتر، ضوء قد انكسر.. وأكثر

هل حدث أن خرجت صباحاً إلى عملك كالمعتاد وفي وسط الطريق استوقفتك بعض الأفكار واستجوبتك عن سبب خروجك إلى العمل وعن معنى ذلك كله فعدت إلى بيتك لتنام؟ هل سبق لك أن بكيت يوماً، هكذا، من دون أي شيء؟ هل تعرف لماذا عندما تحب شخصاً بشدّة تجده يرحل عنك أما إذا لم تعطيه إهتماماً تعلّق بك بجنون؟ هل وصلت يوماً إلى مرحلة لم تعد قادراً فيها على القيام بأي شيء ثم قمت بعدها بأعمال لم تكن تتوقع أنك قادر عليها.. ورحت تسخر من نفسك كيف كنت عاجزاً من قبل؟ أو عندما شعرت أنك تمسك الدنيا كلها بين يديك ثم وجدتك تنهار وإياها تحت رجليك؟ هل حصل أنك وصلت إلى شعور ظننت بعده أنه ليس هناك ما هو أعظم منه.. لكنك بعد فترة توصلت إلى ما هو أعمق؟ هل تحدث معك أشياء غير قابلة للصرف بالمنطق وأمور يقف عقلك عاجزاً عن استيعابها؟ هل حدث أن أمضيت عمرك كله تبحث عنها ولم تجدها؟… أهلا بك في الماتركس الإنساني، وإليك محاولة لتفسير ذلك!.

بداية، لن نستطيع تأكيد أي شيء هنا، ستبقى مجرد صور سنرسمها بما توفرّه لنا اللغة لترجمة الأفكار والمشاهد المحتملة من أجل تفسير الماتركس الإنساني، وفي ذات الوقت سنستعين بإدوات علمية (بالأخص فيزيائية) للتشبيه والتقريب فقط لأننا لن نستطيع عرض الأفكار للفحص العملي البحت. فبما أنه لا شيء أكيد بالمطلق، نقولها علناً: سنسمح لأنفسنا أن “نشطح” في كل الإتجاهات وفي بحثنا الإنساني عن معنى الوجود وحقيقة ما نمثّله ونكون، من أين أتينا وإلى أين نروح.. في كل هذا وأكثر..  لا ضيم إن أصبنا أو أخطأنا التفسير، ففي الحالتين، نفكّر قليلاً، يمضي بعض الوقت، نحاول .. ونضحك.!

تحاول نظرية الأوتار الفائقة أن تفسرّ فيزيائياً القوى الأساسية في الطبيعة، فكما يشير إسمها، تفسّر هذه النظرية القوى الطبيعية على شكل إهتزازات لأوتار فائقة التناظر.. فينتج بالتالي عن هذه الإهتزازات تبعاً لعوامل عديدة أشكال مختلفة وأنماط متعددة من المواد كلها تعود إلى ذات المصدر. فمن هنا، من هذه الفكرة، نسأل ماذا لو كنا نحن أيضاً عبارة عن أوتار ترتجف أيضاً؟

نتحدّث كثيراً عن تلاعب الإعلام بقرارات ومصير وتفكير البشر، ونشير أيضاً إلى تأثير الأشخاص على بعضها البعض، وتأثير المحيط الذي نعيش فيه علينا، والأماكن التي نمر بها والظروف والحوادث التي تحصل معنا.. وينتج عنا ما نعرفه: فعل وردات فعل، يُطرق على أوتارنا، نرجف.. نهتز وتحدث الأشياء، فكلما تشابهت الأشياء التي تهزّ أوتارنا كلما ما تشابهت ردات أفعالنا، لا يمكن حصر النتائج ولا بأي شكل من أشكال، لا يمكن توقع ردات الفعل بدقة، فكلما تعددت الأشخاص التي نلتقي بها والأماكن والصور والأصوات (دعونا نسمّي هذه العوامل بعازفي الأوركسترا، وقائدها يبقى الدوران وفعل الإحتكاك).. كلما زادت الإهتزازات وزادت النتائج وظهرت أكثر تعقيداً، والعكس صحيح. وفي ذات الوقت نشكّل، بأنفسنا عاملاً يؤثر على غيره بذات الطريقة ضمن سلسلة من الروابط غير المحدودة والمعرضة دائماً للتغيير.

سنستعين بالضوء للإشارة إلى الطريقة التي تنتقل فيها هذه التفاعلات بين الأشخاص وكل الموجودات، يتكوّن الضوء من جسيمات وموجات في ذات الوقت وينتقل بسرعة هائلة وفي كل الإتجاهات، كلما سمحت لنفسك، أو كلما زاد تعرّضك للإهتزاز كلما زاد الإشعاع الصاعد من أنحائك حاملاً معه جسيمات تقوم بدورها بالعزف واللعب على أوتار كل ما يحيط بك، كل ما يمر بك و/أو تمر به. لن نتوسع كثيراً حول هذه النقطة لكننا نكتفي بالإشارة إلى إختلاف طول موجات الضوء، يعني أن الضوء الذي نراه بأعيننا لا يمثّل إلا جزءاً من هذه الإشاعات وبالتالي يمكننا الحديث عما نراه بعيداً عن بصرنا، عندما نغمض أعيننا مثلاً ونرى عندها بقلوبنا الأشياء، من داخلنا. نكتفي بهذا القدر من التشبيه لننتقل إلى محاولة للإستفادة من هذه الصورة التي رسمناها للإنسان.

لن نجيب بشكل مباشر على كل الأسئلة التي طرحناها في المقدّمة، فمع هذه الفرضية التي طرحناها أصبحت بديهية جداً الإجابات: عندما يشّع نورك في مكان ما وبشكل دائم ومستمر يصل الآخر إلى مرحلة لا يعد يشعر فيها بوجودك والعكس صحيح، وحيثما تبقي نفسك معرَضاً كل الوقت لنفس العازفين على أوتارك لن تستطيع أن تعزف على أوتار الآخرين بطريقة مختلفة فتصبح بالتالي تماماً كالآخرين لا تتميّز بشيء عنهم، لا تشعر بوجودهم ولا هم يشعرون. واعلم أن لا حدود لإحتمالاتك أبداً، تماماً كإحتمالات النغمات التي يمكن للأوتار أن تقدّمها، على طولها وعرضها وضربة الطارق عليها.. كلما زاد العتم اعلم أنها فرصة لإكتشاف ما هو أعمق وأغنى، ستحمل أوتارك وتشعلها وتنير بها العتمات.

لا تبحث عنها، فلا شيء موجود بالمطلق في هذا العالم، كله رهن التفاعلات والإهتزازات، اسمح لنفسك، لأوتارك أن تعزف بكل حرية في الأرجاء وعندها لن تجدها فقط، إنك تنجبها كما أنجبتك. واسمح للضوء أن ينكسر في عينيك لمزيد من الألوان، أن يغزو قلبك وينبت على أصابع يديك، برفق، هكذا.. وانتشر.. أضيئ المكان!.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , , ,

2 تعليقان to “في الماتركس الإنساني: رجفة على وتر، ضوء قد انكسر.. وأكثر”

  1. Adon Says:

    مراحب حسّون،
    كتير انبسطت بهالمقال.
    حبيت مقاربة الأوتار والماتركس.
    عفكرة، نظرياً على الأقل، نظرية الأوتار رجعت فتحت الباب على كل التفسيرات الميتافيزيقية للوجود، اللي بيبقى هوي حلقة وحدة بس، هيي اثبات ان الذهن والمشاعر البشرية قادرة تأثر على تردّدات الأوتار وبالتالي قادرة تأثر بشكل مباشر على العالم الفيزيائي وأحداثه. بس هيدا موضوع طويل رح احكي شوي عنه قريباً وبيهمني أعرف رأيك فيه.
    يعطيك ألف عافية حسين

    • حسين رمّال Says:

      حبيب انطون
      للتأكيد على كلامك هي ميكانيكا الكم بشكل عام قلبت كتير أشيا ورجعتنا متل ما عم تقول للميتافيزقيا…
      رح كون ناطر موضوعك أكيد،
      وللأمانة، فكرة العزف على الأوتار بشكل عام، كنت لقيتها بإحدى تدويناتك وعلى ما أذكر أيضاً بتعليق كمان… ضلّك اعزف، لحنك أخضر وطيّب يا رجل!
      تحياتي القلبية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: