عمل نَباتي وأشياء أخرى

في أحسن الأحوال
سقطت جميع الأنظمة القمعية واسترجعت الأفراد حريتها الكاملة، لم يعد هناك قوي وضعيف، غني وفقير.. عمّ السلام كل العالم واخْضَّر الكوكب وراحت الناس تقابل بعضها بالقبل “والعَبوطات”.. عادت ناتالي إلى إدوارد وأنجبنا أربعة أولاد (فتاتان وصبيّان).. تتناول العائلة فطورها كل صباح (عصير ليمون، حليب وشوكولا، قطع من الخبز الكامل والمربيات) يذهب الأولاد إلى مدرستهم بالباص الأصفر، والأب والأم يذهبان إلى العمل الذي اختاره كل واحد منهما بنفسه وأحب القيام به، تعود ناتالي إلى المنزل تحضّر طعام الغداء، يصل الأولاد وبعدهم بقليل الوالد إدوارد، يجلسوا جميعاً حول مائدة الطعام… يساعد الأب زوجته على جلي الصحون ويصعد الأولاد إلى غرفهم للّعب قليلاً ثم يعودوا إلى دراستهم.. يأتي المساء، تتناول العائلة عشاءً حفيفاً، يغسل الجميع يديه ـ كما قبل الطعام ـ ثم ينظفوا أسنانهم.. الأولاد إلى الفراش بعد تقبيل والديهم طبعاً.. يختار إدوارد فيلماً للسهرة، تجلس ناتالي في حضنة على الأريكة.. وينتهي الفيلم…

في أكثرها سوءً
سقطعت آخر حركات المقاومة في العالم وصارت ممرات الهواء ضيقة في الحناجر من شدّة القيود والأغلال التي تفرضها الأنظمة على الشعوب، إزداد القوي قوة والضعيف ضعفاً واتسع الفارق بين الأغنياء والفقراء.. تنقلّت المعارك إلى كل زاوية واحترق الأخضر واليابس، أريقت الدماء وتطايرت الأشلاء ومعها الأرواح.. اشتعل الكوكب وراحت الناس توّدع بعضها بالشوك والحجارة والحقد والدموع والجروح والآلام.. ترك إدوارد ناتالي وتشرّدت أطفالهم في عيون المارة على الأرصفة العتيقة، لعبت بهم الحرب حتى تناولهم الرصاص.. وانطفأت شاشة التلفاز.

في الحقيقة
ذهبت لزيارة صديقي البارحة وتحدثنا عن أمورنا الشخصية ومشاريعنا الخاصة المستقبلية آخذين بعين الإعتبار الأوضاع المحلية وإسقاط النظام الطائفي اللبناني وتطرقنا بطبيعة الحال للمواضيع الإقليمية والعالمية.. لم نستطع تقديم الحلول للأوضاع الراهنة (لا بد أنكم شعرتم بذلك)، لم يتغيّر أي شيء.. لكن صديقي كان فخوراً بنفسه هذا اليوم لأنه تبرّع بالدم للصليب الأحمر وقال لي (بين الجد والمزح): “أنا سعيد، لقد قمت بعمل إنساني” توقفت قليلاً عند شبه الجملة هذه (عمل إنساني) وقلت له (مازحاً) وأنا أيضاً فخور بنفسي لقد قمت بعمل نَباتي وآخر حَيواني هذا الصباح.

في الواقع الإنساني
تمرّد على الوقت بشتى الوسائل، وعصيان على الذات وعلى كل شيء، وأحياناً كثيرة من أجل لا شيء، هكذا.. تجد نفسك تتسرب في ثغرة زمنية أو يتسرّب الزمن في أنحائك (لا فرق) فتذهب كي تملأ هذا الوقت بوجودك، وهنا تحديداً تبدأ رحلتك في البحث عن تأكيد لوجودك وعن إصرار على البقاء في هذا العالم.. تسترجع ما استطعت من أحداث وتسأل عن مصدر كل هذا الغموض المحيط بالأرجاء مع أنك تعرف جيداً أنك تفتعل الغموض بيديك، وتذهب أبعد من ذلك عندما تفضّل الغموض على أن تكون مباشراً وواضحاً، وما أفخمنا عندما نتغنّى بالغموض وجماله، ننصب له آلهة ونسرح في الخيال.. نخبئ ما في القلب، نبالغ، نجمّل الأمور أحياناً ونبشعّها أخرى.. لا يناسبنا السلام فنفتعل لأجلنا الحروب، وعندما نمّل من الحروب نبحث عن السلام وفي الوقت الضائع.. ننام.

على الورقة أو في المنام
مجرّد كلمات ومحاولات وبعض الأغنيات.. أحلام وأوهام.. ووقت يتسّرب دون أن نشعر به، نأخذ بقدر ما نعطي، نأخذ ونعطي ولا نشعر بذلك، نتشارك ونتبادل الألوان والأفكار، نصنع الأشكال، نقدّم النظريات، ونطرح أسئلة تعدي، والإجابات محطات لا تؤدّي.. لا يهم، لدينا القدرة على إقناع أنفسنا بأي شيء حتى لا نتوقف ونمشي.. قد لا تعرف لماذا لست قادراً بعد على خيانتها بالرغم من أن كل شيء، وهي، يدفعك إلى القيام بذلك، وقد تخونها من حيث لا تدري… وفي النهاية، تتنهّد لآخرها، تصعد كالعصافير إليها، تترك كل هذا وتمضي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: