في البحث عن الإرادة الحرة: مقاربة بين الشبكة العنكبوتية والإنسان 1/2

في خضم الأحداث الصاخبة التي تجري في عالمنا اليوم، نقف عاجزين عن معرفة النتائج، فلا أحد يعرف تحديداً ماذا سيحصل وكيف ستنتهي الأمور هنا أو هناك. لأنها قد لا تنتهي أبداً حيث البداية ما زالت غير مؤكدة (حقاً، أين بدأنا؟ أين بدأ كل هذا؟). ما يمكننا فعله على الأقل هو البحث عن الإتجاه الذي يسلكه العالم والإنسانية معه، إذ يترابط مصير الإنسانية بمصير العالم إرتباطاً يكاد لا يعني العالم شيئاً من دون الإنسان والعكس صحيح. فنسأل عن المتحكّم بالآخر؟ (1) هل القوانين الطبيعة التي تتحكم بنا وبتصرفاتنا بشكل مبرمج (هوكينغ: الإنسان مجرّد آلة بيولوجية)؛ (2) أم أننا من يتحكم بالعالم (شوبنهاور: العالم إرادة وتصوّر إنساني)؛ (3) أم أن النظام يجمع بين هذين النموذجين معاً (نظرية الخالق: الإنسان مسيّر ومخيّر في آن). إذن، نسأل عن الإرادة البشرية الحرّة إن كانت مجرّد وهم أم أنها موجودة فعلاً، لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة دعونا نقارب بين الشبكة العنكبوتية والإنسان حيث نجد أوجه شبه كثيرة من ناحية البنية وطريقة العمل مما قد يساعدنا على معرفة الإتجاه الذي نسلكه أو على الأقل قد تسمح لنا هذه المقاربة بطرح أسئلة جديدة.

للإبتعاد عن التكرار ولمزيد من التوضيح، كنا قد عرضنا بتدوينة سابقة بعض النقاط المتعلقة بتطوّر الشبكة العنكبوتية وقت سألنا إن كان لهذا العالم معنى في حدّ ذاته أم أننا من يعطيه ـ نحن البشر ـ هذا المعنى. سنحاول هنا استخدام الشكبة العنكبوتية (ويب/WEB) كمقراب يختصر طريقة عمل الكائن البشري، فعندما نعرف أين تتجه الشبكة العنكبوتية بقدرتها سنعرف بالتالي أين نتجه والعالم معنا.

كيف يعمل النظام: بين الويب والإنسان
يمكننا إختصار وظائف أي نظام إلى أربع: 1ـ إدخال مواد (معطيات): 2ـ معالجة؛ 3ـ إخراج؛ 4ـ تغذية إسترجاعية. ندخل المعطيات إلى النظام أو يقوم هو بإدخالها حسب قدرته، تتم معالجة هذه المواد تبعاً لقوانين مبرمجة مسبقاً، ثم تتم عملية إخراج المعطيات على شكل معلومات يؤدي استخدامها إلى مزيد من المعارف أما استخدام هذه المعارف يعني الوصول إلى نتائج أفضل وقرارات أسلم. أما الوظيفة الرابعة أي التغذية الإستراجعية فتعني بالإستفادة من المعارف كمعطيات جديدة ضمن سلسلة من أسباب أدّت إلى نتائج وهذه النتائج ستصبح بدورها مجدداً أسباب لنتائج جديدة.. وهكذا دواليك.. مع إمكانيات خارجية للتعديل.

والكائن البشري يعمل بذات الطريقة، تتم عملية إدخال المعطيات في المرحلة الأولى (مواد غذائية ومعطيات حسيّة)، يعمل نظامه على معالجة هذه المعطيات.. ينمو الطفل وهذا النمو بحد ذاته نوع من الإخراج الناتج عن الأسباب (غذاء) ثم يبدأ بالتفكير (وهذا أيضاً نتاج لأسباب أدخلت إلى نظامه) وتظل طريقة تفكيره (وحدة المعالجة الذهنية) تتطوّر تبعاً للمدخلات التي يدخلها بنفسه أو تدخل إليها من حيث لا يريد بحكم تفاعله مع المحيط الذي يعيش فيه، وعملية التغذية الإسترجاعية تساعد في الإستفادة من المعلومات حيث تتطّور المعارف وينتج عن استخدامها بالطريقة الصحيحة ما يعرف في عالم البشر “بالحكمة”.  أما نموه الجسدي فيتابع هو الأخر تطوّره أيضاً تبعاً لقوانين طبيعية* (عضوية: كيميائية، فيزيائية، بيولوجية). يرتبط مفهوم الموت إذن بعدم قدرة النظام على معالجة المدخلات وإخراجها لأسباب قد لا تحصى نذكر منها القوى القاهرة مثلاً عندما يتعرّض النظام لتيار كهربائي حاد يؤدي إلى تلفه، أو عندما يزداد الضغط على وحدة المعالجة، أو عندما تتم عملية بناء الأعضاء على خلل ما.. وبطبيعة الحال عند سوء استخدام النظام وإدخال معطيات / مواد غير مناسبة أو غير قابلة للمعالجة بعد أو بطريقة غير صحيحة.

ماذا عن الذاكرة؟
تنقسم ذاكرة المعلومات على الشبكة العنكبوتية إلى قسمين: ذاكرة مركزّة وبعيدة المدى تحفظ على شكل رموز على أدوات مختصة بذلك. وذاكرة دائمة الحركة والتفاعل ـ قصيرة المدى تمتد على طول الخطوط (السلكية واللاسلكية) التي تربط بين الأجهزة المشتركة على الشبكة، فتسجّل تتابعاً للتفاعل بين الأجهزة ضمن سلسلة من البروتوكولات الموحدّة للتفاعل والتبادل (TCP/IP). وهكذا تنشط الذاكرة تبعاً للتفاعل، والتراكمات التي تجري بين الأجهزة تحدث تغييراً على الذاكرة المركزية كتعديلات (إضافة / حذف).

وكذا ذاكرة الإنسان، تنقسم بدورها إلى قسمين: ذاكرة مركزية تحفظ على شكل بروتينات مختصة (يعني إختلاف تركيبها بنوع المعلومات) تترّكز في الخلايا العصبية. أما الذاكرة الحيّة فتجدها على أطراف الخلايا العصبية (المشبكات) حيث تتبادل النبضات الكهرومغناطسية التي تستمدّها من أطراف الجسم بالحواس. تشاهد العيون صوراً قديمة تعيدنا إلى الماضي، أو صوراً جديدة تكتب المستقبل.. أصوات، روائح، أطعمة، معطيات، معلومات.. جراثيم أيضاً.

تطوّر النظام
مع بداية الشبكة العنكبوتية لم تكن قادرة على فعل الكثير، مجرد صفحات أدخلت إليها بعض المعلومات، لا تفاعل ولا أجهزة مختصة ولا أعضاء أساسية واضحة في البنية التحتية للنظام، وراحت تتطوّر حتى وصلت بنا إلى كل هذا التفاعل الهائل على الشبكة مع وضوح تام للأعضاء الأساسية والعناصر المساعدة. شهدنا ولادة محركات للبحث من أجل الوصول بشكل أسرع للمعلومة مع وضوح لأماكن التخزين الرئيسية للمعلومات.. وشهدنا ظهور أجهزة مختصة بكل نوع من التفاعل.. حيث يشكّل الفايس بوك على سبيل المثال عضواً رئيسياً اليوم في التفاعل الإجتماعي، ويعني الغوغل برصد كل المعلومات مثلاً.. أما المستخدمين لهذه الشبكة (أي نحن) فنشكّل جزءاً رئيسياً أيضاً من هذا النظام ويمكننا تشبيه ذلك إلى خلايا، كل مستخدم يشكّل خلية / عنصراً مسؤولاً عن تطورّ الشبكة العنكبوتية ومشاركاً في نمو قدراتها.

قبل أن يولد الإنسان، كان مجرّد بويضة، ولم يكن هناك أيضاً أعضاء محددة وواضحة، ثم يلفحه هواء بيولوجي ويبدأ نظامه بالنمو فتتوضّح معالمه وأجزاءه. ثم مع ولادته حيث يصبح في متناول عدد محدد من الأشخاص يتابع نموه بشكل سريع وتبدأ عمليه تطوّره ضمن تفاعل مستمر مع العالم  والآخرين.

وفي هذا السياق يمكننا القول أن الويب مرّ في مرحلة الطفولة وانتقل إلى مرحلة المراهقة نحو الشباب اليوم. ويمكننا مواكبة نموه بالإطلاع على ما أصبحت الشبكة العنكبوتية قادرة عليه اليوم.. وهذا ما سنطلع عليه في الجزء الثاني من هذه المقاربة ونحاول صياغة خلاصة لهذا الموضوع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* للتوسع حول هذه النقطة، يمكنكم قراءة مقال وفير بالمعلومات بمحاولة للإجابة من مجلة العلوم عن السؤال التالي: لماذا لا يمكننا العيش ـ كبشر ـ إلى الأبد. انقر(ي) هنا لتحميل الملف.
Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

6 تعليقات to “في البحث عن الإرادة الحرة: مقاربة بين الشبكة العنكبوتية والإنسان 1/2”

  1. salimallawzi Says:

    أوف .. يا زلمي إنت شو ؟ كوكبي ؟؟؟
    خليتني فكر لدقائق بالمقاربة .. يعني نفس المراحل .. رائعة يا صديقي ..
    من الخلق (الفكرة – المضغة) حتى الوفاة (التلف)
    ليك صديقي .. الفايروس كمان مودجود في الإنسان وبالجهاز والشبكة العنكبوتية
    للإنسان “أنتي بيوتيك” وللجهز “أنتي فايروس” ..
    إذا العالم الإفتراضي هو نسخة مطوّرة للإنسان ..

    • حسين رمّال Says:

      طالما لقيت متلي أوجه شبه أبو السلم رح حاول كمّل الجزء الثاني بأسرع وقت، لأن بعد في معلومات كثير مهمة وبتوضّح الصورة…
      وبطبيعة الحال موافق على فكرة الفيروسات وأجهزة المناعة /المقاومة..
      شكراً ع التشجيع صديقي… ونلتقي بعد قليل جداً، هيدا وعد
      تحياتي القلبية

  2. القط Says:

    تحية كبيرة على هذا المقال حسين. مقارنة موفّقة و عرض ممتاز للأفكار.
    رح إنتظر الجزء الثاني لأرى النتيجة التي ستصل لها عن الإرادة الحرّة. لأنه أعتقد أنه في هذه النقطة سيكون هناك إختلاف في الآراء.

    • حسين رمّال Says:

      شكراً عادل
      سوف أكمل الموضوع في أقرب وقت.. ما أتمناه حقاً هو تبادل المعلومات والمعارف مهما اختلفت الأفكار.. لكي يستمر التفاعل.. على ما أذكر أنك متخصص بمجال المعلوماتية.. ترأف بنا 🙂
      تحياتي جداً

  3. Kenan Alqurhaly Says:

    كتير أعجبني اسلوبك بعرض الفكرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: