جَدَل: في ملاحظات بين العِلم والعَمل

وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (الكهف 54)، أبدأ بهذه الآية من القرآن الكريم التي قد تُلخص ما سبق وما سيلي حول هذا الموضوع. فالجدل الذي يعني بالأصل فن الحوار والنقاش هو عِلم القواعد والقوانين العامة التي تحكم الفكر الإنساني وعلاقته بالطبيعة في محاولة الوصول الى الحقيقة عن طريق طرح أسئلة للبحث عن إجابات لها. حيث تكثر جلسات الحوار والنقاش ولا تبصر النتائج المرجوة النور، سنتناول في هذا الموضوع بعض الملاحظات المسببة لهذا الحال الواقع بغية الوصول الى جدل لا ندرس فيه الجدلية بعينها بل نتطلّع نحو نتائج تعود بالفائدة على الجميع، وإلا لما الجدل؟

في فراغ التلقين

صراع الأجيال ليس وهماً و إنما صدام في طرق التفكير والإكتساب الذي يتعلّمها كل جيل، حيث كانت المناهج تَعمد بنقل المعارف وتكوين المفاهيم لدى التلميذ بواسطة التلقين ـ لغياب الوسائط ربما ـ استدرك المسؤولون عن التعليم فشل هذه الطريقة و بدأوا العمل والبحث عن أساليب أكثر مرونة لتترك للطفل مجالاً للفهم والإدراك والتساؤل. فكيف يمكن مثلاً لمن تعوّد الإستماع للخطابات التي لا تسمح بتبادل العلاقات بين الطرفين أن يكّف اليوم بعد الهيمنة التي حفرت معالمها هذه الطريقة بين الطرفين (المعلم يعرف كل شيء ويلقي خطابه والتلاميذ تستمع وقد تُنصت أحياناً، الزعيم السياسي وحاشيته، رجل الدين ورعاياه…).

يقول برنارد شو” إذا لقنّت إنساناً شيئاً، فإنه لن يتعلّم أبداً، ويتبع المثل الشعبي ” كل واحد بيتعلّم من كيسو” والمقصود في كل هذا أن الإنسان لا يتعلّم إلاّ بالعمل. فإذا أردت أن تستفيد من أي نصيحة عليك بتجربتها وتطبيقها وإن لم تفعل فلسوف تنسى ما قرأته وما سمعته. إذا ما أمرت بالخير فعليك أولاً فعله، وإذا نهيت عن شرّ فابتعد عنه أولاً.

في خلفية المُحاور العلمية

والعلم إدراك وقواعد وخبرات مكتسبة، قد يندهش الفرد من قدرتنا على اللف والدوران وإيجاد التبريرات دوماً لشتى الأعمال، حيث يعني الإدراك التصوّر المجرّد للأشياء، قد يذهب البعض الى أقسى درجات التجرّد كما عَنْوَنَ شوبنهاور العالم بأنه إرادة وتصوّر وقد يبقى البعض الآخر في حدود التجرّد الدنيا ويسبّح للخالق عند أي ظاهرة طبيعية. ثم تأتيك جملة المبادئ والقوانين التي وضعها أهل العلوم المختلفة ليبني كل واحد منا عليها ما شاء حتى لو كانت المبادئ في طور نموها أو أنها ما زالت نظريات تفتقد للتجارب. أما الخبرة فهي كل ما يحصلّه المرء من معارف وما يعيه من مناهج علمية خالصة. فهل يصّح الحوار إذن بين أطراف تختلف خلفياتهم العلمية من تصوّر خالص للأشياء ومبادئ مختلفة وخبرات متفاوتة؟ من يظن أنه يفقه كثيراً تراه يتلو على نظيره آيات قد ينسبها لنفسه أما الآخر في محوره يدور ويميل، وفي النتيجة لا شيء.

…في أشياء اخرى

من سلسلة “قل لي، أقول لك” قد أخلص بسخرية وأقول ” قل لي من أنت، أقول لك من أنت” وقد أقول لك من أنا، قد تعرف، من أنت ومن أنا، هكذا وبكل بساطة بعيداً عن كل المغالطات في المنطق والبلاغة التي يحاول استثمارها أطراف الحوار بمحاججات تتشعب وتنمو كالطحالب على وهميات ومشبهات في محاولة لإستنتاج اليقين، فيذوب المنطق ويفقد الحوار جوهره بسفسطة هنا ومشاغبة هناك.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: