محاولات…

من هي الأكثرية في لبنان؟

عندما لا تستطيع الأكثرية أن تحكم البلد في نظام ديمقراطي لا بدّ لك أن تسأل عن الأسباب والعناصر التي كوّنت تلك الأكثرية حتى يصبح السؤال : هل هناك حقاً أكثرية؟ قد لا تحصى الأسباب والعوامل التي تمنع الأكثرية من الحكم، ولكن دعونا هنا فقط محاولة النظر في طبيعة ومكونات الأغلبية في بلدنا. لأنه لديك الحق اليوم أن تشك في صحة بنيانها.

إذا القينا نظرة طفولية على الارض سنجد أن المصطلحات السائدة في أنظمة الحكم ما زالت سائدة في ديارنا. فهناك موالاة واضحة للملأ وهناك أيضاً معارضة بشكل أوضح، ولكن على ماذا بالتحديد؟ على أي نظام؟ على أي برنامج؟ وهل هناك نماذج حكم مطروحة بشكل واضح ليكون هناك معارضة وموالاة؟

عادة، يعتمد المواطن باعطاءه الثقة لبرنامج الحكم بشكل رئيسي على طبيعة البرنامج اقتصادياً ومن ثم على سياسة تطبيقه لتحقيق الأهداف. في لبنان لا تحتاج الى اكثر من لحظة حتى تلمس فراغ صفة الموالاة والمعارضة التي تحجّمت فيهما اقطاب النزاع وبالتالي البلاد. لأن المعادلة اليوم قد تغيّرت، لقد أصبح المواطن رقماً في عدّادات أبواقهم ومن يصل أولاً الى  الأحمق منا رقم مليون يفوز بالحكم، لأنه عليك اليوم ان توافق على سياسة فارغة ومن بعدها ـ ربما ـ سيقترحون عليك برنامج ما.

أعدم سقراط منذ  2500 سنة لأنه أصّر  على أن لنا الحق في أن نحيا وفق عقولنا وليس وفق تقاليدنا وعقائدنا الموروثة. فضّل سقراط الموت لكي يقول لنا انه علينا وضع المعارف فوق العقائد. نحن في لبنان ما زلنا نتغنى بأن ما يمّّيزنا هو تعدد عقائدنا وتنوعها وفي الحقيقة  نحن نكذب على بعضنا ونهرب من الحقيقة لأننا لا نستطيع ان نواجه، لأننا نعرف أن العقيدة الموروثة تحدث عاطفة عند وارثها، فاذا صدمت أحدا في عقيدته فأنت في الواقع تصدمه في عاطفته ولهذا نخاف من أن نُكره.

أعتقد أن ما يميزنا هو تنوّع معارفنا في كل بقعة من هذا الوطن، قد تجد الفلاح الصانع والتاجر في نفس البيت وما يميزنا هو تعدد الطرق التي نرتزق بها. إذا كان التاريخ هو وصف المكان عبر الزمان فإن تاريخ الأمم يثبت لنا أنّ الوضع الإقتصادي هو الذي يقرر الوضع الأجتماعي وبالتالي السياسي الحاكم عبر الأكثرية الساحقة. لأنّ الطريقة التي نرتزق بها تكبسنا عواطف من الحب والكره، من الاحترام والاحتقار… فعواطف الفلاح تختلف عن عواطف الصانع وعواطف الصانع تختلف عن عواطف التاجر. بالتالي، اذا كانت الأكثرية  الساحقة من الفلاحين سيعكس ذلك أثره على حياتنا الاجتماعية، على النظام الحاكم وعلى سائر قيمنا وأخلاقنا.

إذا استجوبنا نظرية “التفسير المادي للتاريخ1” نستطيع بسهولة معرفة أسباب الإختلافات بين المجتمعات وبالتالي أشكال الأنطمة الحاكمة. لنأخذ على سبيل المثال شعوب أوروبا، ففي القرون الوسطى كانت ترتزق الأغلبية الساحقة في الدول الأوروبية من الزراعة وقتها كانت الكنيسة الكاثوليكية (الحكومة2) تحرّم النقد بالربا ولكن بعد ذلك ظهرت طبقة جديدة تعتمد على التجارة في معيشتها وكانت هذه الطبقة الجديدة بحاجة الى وفرة من الاموال وهكذا أجازت الكنسية وقتها الربا في التجارة… وعلى هذا الشكل راح يتغيّر النظام الحاكم واسلوبه مع الحاجة الاقتصادية وبالتالي كان يتغيّر المجتمع ككل ليتناسق مع أساليب الحياة الجديدة من اوزان الأخلاق الى القيم والعادات.

الجماعات البشرية التي ما زالت تعيش على طرق الإنسان القديم، نستطيع أن نعتبر جماعة من الأفريقيين الذين يعيشون في الأدغال والغابات أو جماعة من الاسكيماويين الذين يعيشون حول القطب الشمالي، هذه الجماعات مثال آخر لتأكيد صحة نظرية التفسير الإقتصادي للتاريخ. طريقة الأسكيماوي في الارتزاق أنه لا ينتج سوى قوت يومه وهكذا يستحيل قيام اي حكومة في مجتمعه لأن الحكومة تحتاج الى موظفين يقعدون على كراسيهم وما دام الرجل لا ينتج غير ما يكفيه فإنه لا يستطيع ان ينتج لهؤلاء الموظفين ( يا لكسل الاسكيماوي وكم أحسده!).

لنعود الى لبنان،  دعونا نسأل نظرية التفسير الإقتصادي عن تاريخنا؟
تاريخ لبنان تبعاً لهذه النظرية هو إذن تاريخ أنظمته ومجتمعاته، لنحاول هنا أن نلقي نظرة على شكل النظام الحالي والوضع الاجتماعي في لبنان ومن ثم نراقب التغييرات التي حصلت على هذه الأصعدة عبر الزمن. طبعاً نعرف أن لكل شعب صفة تميزه عن غيره وهذه الصورة لا يراها جيداً الاّ من هو في الجهة المقابلة، أذكر مثلاً كيف كان يتصورني صديقي الفرنسي قبل أن يعرفني، ففي ذهنه كان يعتقد أنني تاجر  “حربوق” لأن هذه الصفة هي الغالبة في أذهان بقية الشعوب عنا.

بطبيعة الحال لهذه الصورة أسبابها الكافية، ولا داعي للشرح المفصّل هنا، أكتفي بالدلالة  فقط على عدد المغتربين اللبنانيين الهائل وأن ظروف الغربة لا تسمح لهم بالإرتزاق الا من التجارة أو الصناعة.

جغرافياً، طبيعة لبنان سمحت لوجود كل أنواع الارتزاق، فعلى السواحل انتشرت التجارة، وفي سهوله يعتاش الشعب من الزراعة بشكل رئيسي. وجاء مناخ لبنان المعتدل من بحره  مروراً بانهاره الى جبله مشجعاً لصناعة السياحة.

للاسف ليس هناك احصاءات دقيقة لمعرفة طريقة ارتزاق الشعب الساحقة : الزراعة، الصناعة أم التجارة. و “السمعة” التي اشتهر بها اللبناني والتي تقول أنه “تاجر حربوق” نستطيع ان نشك بصحتها لأن تعتمد بشكل رئيسي على المغتربين كما أشرت سابقاً. فلتفادي الوقوع في اشكالية جديدة سأكتفي هنا بمحاولة وصف حال المقيمين على الاراضي اللبنانية.

لم تتغيير هذه الحالة عما كانت عليه في الماضي الا في “زمن الاقطاع” حيث أسس نظام حكم استبدادياً اقطاعياً. بما ان الأكثرية الساحقة هي التي تنتج النظام الحاكم ويتغذى منها طراز المجتمع وبما أننا اليوم لا نعرف بالتحديد الأغلبية الساحقة، بقي أمامنا أن نسلك الطريق عكسياً فإذا راقبنا نظام الحكم وشكل المجتمع سنعرف كيف يعتاش أكبر عدد من السكان في لبنان.

لست هنا بصدد تحليل شخصية التاجر أو المزارع لا عواطفه ولا أخلاقه ولا حتى تفضيل طريقة ارتزاق على اخرى فعادة تكون الفوراق واضحة جداً بين المجتمعات التي تعتاش بطرق مختلفة إلاً أن طبيعة لبنان الجغرافية جاءت مرّة اخرى لتضيف عامل جديد على هذه المعادلة. فقرب الساحل من السهل والجبل أحدث اختلاطاً بين المجتمعات المتضادة وأصبح مجتمعنا كنسيج معقّد باختلاف خصائصه. قد تكون قوة هذا النسيج بتعدد ميزاته وفي نفس الوقت تأتي هشاشته من عدم تناغم تلك الميزات التي ربما ما كان لها أن تختلط على هذا النحو، والاستثناء في بعض المناطق المنعزلة يؤكد هذه الحالة.

كما نعلم من المحيط الذي ننشئ فيه تظهر فينا عواطف وتختفي اخرى. فإذا جئنا من وسط زراعي مثلاً وبقينا في هذه البيئة لا بد ان نكتسب عواطف الفلاح ذلك لأن طريقة الارتزاق تُبنى عليها عواطف العيش وهكذا أخلاقنا الإجتماعية تأتي متناسقة مع هذا الوسط لأن أي تناقض بين طريقة الارتزاق والبيئة الذي نعيش فيها يصبح مخالفة.

فمرحلة التأقلم مع  تغيير الوسط الارتزاقي ما هي الا صراع مع الوقت لتظهر في الفرد العواطف التي اختفت عند نشأته في وسط مغاير. لأن المزارع الذي يأتي من القرية الى المدينة حيث الأغلبية الساحقة تكون من الصانعين والتجار لا بد لعواطفه  وأخلاقه ان تتغير اذا ما قرر البقاء  والعيش في المدينة والعكس صحيح.

تلك القابلية على التأقلم عند اللبناني ما هي الا تجاربه وخبرته وأيضاً ورثته عن أهله في هذا الصعيد، وقد لا نكون بحاجة اليوم أن نسأل البيولوجيا عما سنورثه من عواطف الى أولادنا عن صفاء تلك الأحاسيس والتوجهات طالما نجمع في أنفسنا كل ما لا يمكن تناغمه.

حسناً، هذه هي الفكرة بشكلها العام لكن للخروج من النظرية الجامدة علينا محاولة تطبيقها على الارض لمعرفة صحتها من ضعفها. سأبدأ من أقرب مكان لي، ذاتي، بحكمي خيط في هذا النسيج.

لو لم تشهد خشونة يداي معي لما صدّق صديقي أنني بالأصل فلاح، وبأن “الميبر3” ترك اثاره على اصابعي ليذكرني من أكون، بأنني من هناك جئت من حقول القمح ومن شتلة التبغ وبأنني أعرف جيداً موعد الندى. بشوق مغرم لحبيبته رحت أشرح له المراحل التي قطعتها تلك السيجارة التي نحرقها وتحرقنا.

إذن، الوسط المعيشي الذي أتيت منه لم يكسبني عواطف وقواعد في الأخلاق فحسب، بل ترك ايضاً أثاراً مادية لتقول لك بأنه يجب عليك أن تبقى كذلك. لكن الارتزاق من الزراعة هو عمل متعب جسدياً ولهذا ترى أهلنا يعملون بكل قواهم ليؤمنوا لنا حياة أقل تعباً.

بعد دراستي للتجارة والتسويق اصطدمت أمام اساليب العمل والانتاج في هذه الميادين، بشكل يمنعني من النجاح في كلتا المجالين، فعندما تكتسب يداك الحاجة الضرورية للمس المنتوجات والمحاصيل الزراعية، كيف لتلك اليدين أن ترضى عن عمل تكفيك حاسة النظر  اليه وحدها على تقيميه. هذا من دون التطرق الى قواعد اللعب والأخلاق في هذا المضمار.

هذه حالة فرد من هذا المجتمع، تلك الحالة التي أكون ربما قد بالغت فيها قليلاً، لكنني لا ادري ان كنت قد تناهيت الى الصغر او الكبر فيها. وأعترف أنني لم استطيع التجرّد بشكل مطلق لأن حنيني للتراب غلبني.

الآن، لا أستطيع القول انها الحالة العامة للمجتمع، لكنني في ذات الوقت أشك في عدم وجود شبه لتلك الحالة في نفوس شعبي. لهذا اتركها هنا من دون اي استنتاجات وأعود قليلاً للنظري، لصورنا في الساحات ندور كخلية نحل من دون ملكة لا أحد يعترف أنّ الأكثرية الساحقة اليوم من الشعب تبحث عن طريقة ارتزاق للعيش منها بسلام.

أعترف أنني لا أجيد استعمال السلاح لمقاومة المحتل، لكن الأرض التي مشت عليها اقدام شهداؤنا  وتاج رؤوسنا على استعداد دائم لإنجاب الآلاف الابطال، ولهذا لا أخاف اسرائيل ولا كل المشاريع التي ترسم او يحاولون رسمها في ذهوننا. ما أخافه هو غضب تلك الأرض التي تترك دون أن تزرع في الوقت الذي أذهب فيه لأكون رقماً في ميزان الأغلبية الوهمية حيث الفراغ الحقد والتحريض. ما أخافه حقاً هو شكل العواطف التي سأتركها لأبنائي.

هذه ليست دعوة رجعية للعودة الى نظم القرون الوسطى، ولا حتى للعودة الى الزراعة، هذا النص هو دعوة للرجوع الى الذات قليلاً،  لمعرفة حقيقة عواطفنا، للمحافظة على صفائها. حتى اسأل نفسي الآن : ما هي طرق الارتزاق التي تسمح لي عواطفي واخلاقي القيام بها برضى؟ ما هي الأعمال التي أجيد فعلها؟… أعتقد بعد الأجابة عن هذه الاسئلة، لا حاجة للانتظار!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحب / لا أحب

مشاعر وأحاسيس تجتاحنا كل لحظة بسبب كل ما يحصل في هذا العالم، صور وأصوات جميلة تشعرنا بالفرح والسعادة واخرى بشعة ترمينا في الحزن والإكتئاب. ومن دون اي مفاجأة نختار تلقائياً الأشياء الجميلة ونفضّلها بطبيعة الحال على باقي الأحداث، هذا هو الفخ الذي نقع به، وهل الحياة كانت لتلخّص بهذه المعادلة البسيطة الكئيبة “أحب/لا أحب”؟

مع هذه المعادلة نظرتنا للعالم تصبح مزيفة، فعندما أفضل الفرح على الحزن لن أكون أبداً في حالة من الفرح وإنما في خوف دائم على خسارة هذا الفرح المؤقت، وببحثي في هذه الحياة عن مصادر الفرح وهروبي من أشكال الحزن أنتهي بعدم النظر الى الحقيقة إلا من خلال هذه العلاقة وهذا الخَيار “أحب/لا أحب”، ولكن الحياة أغنى من هذه الزاوية التي أحصر بها الأشياء والجأ الى ال”أنا” لتختار ولتفضل منها ما تشاء.

السعادة ليس لها سبب وإنما تأتي عندما أتوقف عن النظر الى الأحداث تبعاً لما ستسببها من مشاعر جميلة أم مريرة. تأتي السعادة عندما أنظر الى الواقع بدون تفضيل بدون خيارات، تأتي بعد نظرة عذراء برئية، بنظرة انثى. فبهذه النظرة المجانية ومن دون أي جهد حيث نترك الأشياء كما هي وننظر اليها كما هي نكتشف أسرار هذا العالم عمقه وغناه.

عندما أتوقف عن الفصل بطريقة التفضيل بين ما أحب وما لا أحب أنسى نفسي. لأن ال”أنا” ما هي إلا نظام معقّد مليء بالأنانية والتفضيل تعمل على مقارنات فردية داخل دائرة نحصر بها الواقع والخيال وهكذا أكون مسجون هذه الدائرة.

ما وراء المقارنة “سعادة/حزن”، ما وراء ارتياب معادلة “أحب/لا أحب”، هناك سعادة وحب من دون أسباب لا حدود ولا مقابل. ما وراء ال”أنا” أكون فرح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين النظرية والتطبيق : صراع بين التوازن في النظرية مع الحركة في التطبيق

ـ 1 ـ

هنا على الورقة قد أجد نظرية شاملة تلّخص كل شيئ في هذه الحياة، وقد يكون فيها حلول لكل مشاكل الكون وربما الأكوان لأنني سأبحث هنا عن توازن في الحسابات. أما هناك على الأرض، في السماء، في عينيها، على ضفاف رمشها… أفقد كل توازني، تتغيّر ألواني وتبطل كل المعادلات. فحيثما يكون التوازن بمعناه معاكساً للحركة، وحينما في الحقيقة ما من توازن من دون حركة يبدأ صراع النظرية مع التطبيق وصراع الحقيقة مع الخيال.

يكفيني أن أضع نفسي في مكانك أنت، أن أستجوب شبهي بك، أن أكتب كلمة “بئوسي” حتى تبتسم الآن (…). أستطيع أن أستفزّ حشريتك بعنوان مغري ـ “كإعتراف شخصي” أو بخبرِ عن فنانة أو رجل سياسي لا تحبهما ولا تحب أعمالهما وقد تحتقرهما ولكنك تضعف عندما ترى اسميهما فتقع ـ ويمكنني أن أتوقف هنا اليوم وأتابع لاحقاً لأنه ليس لديك الوقت الكافي لقراءة صفحة كاملة، أو لأنك تخاف أن تخسر من وقتك الثمين الذي تمضيه في الثرثرة واللاشيئ.

فأنا أشبهك، لأن كلانا يملك نظاماً حيوياً متشابهاً، فعندما أقتل أنا أحداً لثأر ما وبأنك حين تنجح  أنت في إمتحان سنشعر  معاً بذات الاحساس بالبهجة.  ومن محيطنا المشترك رحنا واكتسبنا من بعضنا البعض عادات وتقاليد متشابهة. ولكنني أختلف عنك أيضاً لأن أمي أرضعتني من خلاصة قلبها أقل أو أكثر منك، ولأن السماء قد أمطرت على رأسك أكثر مني ولأنني لما كنت طفلاً شاهدت أمراً قد لا أذكره وما كان يجب أن أراه وقتها فبقي أثره في قلبي من حيث لا أدري.

والآن بعد أن أشفيت غليل الأنا عندي، أنتقل الى أنحائي، الى التوازن المطلوب في النظرية، الى روح تعاكس المادة، سجنت داخل جسد، لفظتك أنفاس والديك سراً من الماء علانية الى الهواء لتتأقلم مع عالمك الجديد، في عالم يجب عليك بأسرع وقت أن تجد أولاً التوازن المطلوب بين روحك وموادك حتى تكون، ومهما سوّيت وداريت لن تكتمل لأنه عليك ككيان ـ إن كان ذكراً ام انثى ـ أن تجد التوازن في كيان معاكس لك، توازناً لروحك التي يتلفها سجنها  وتوازناً لجسدك في جسد آخر تتسلل عبرهما أرواحكما صوب الحرية للحظات ثم تعودان الى معتقلهما.

وأنتما، أنتِ وهو، أنت وهي، هل وجدتما التوازن بين كيانكما؟ لا بل، هل وجد كل منكما توازناً بين روحه ومواده؟ وأولادكما، من قال أنهم لكما؟ وأحياناً لواحد فقط منكما؟ من قال أنه واجب عليكم انجاب الأولاد إن كنتما غير قادرين على رعايتهم، إن كنتما لا تعرفا أن الحرية التي تبحثان عنها ستجدونها في عيون أطفالكم، وأنهم الخلاص فقط متى أعتبرتموهم كالبشر أجمعين وليس فقط صناديق تحتفظان بهم وترميان داخلهم عقد ماضيكم وأمانيكم.

أخي، لا تعبث بقدرك، ولا تنظر للمواد الفارغة التي تغريك لأنك حتماً ستفرغ إذا ما اخترت المادة واهملت الروح التي تحرّكها، ولا تقتل نفسك من أجل أولادك، قم فقط بما أنت قادر عليه لأنك لن تجد في أولادك يوماً ما تريده لهم بإرادتك، هم فقط من سيبحثون بإرادتهم عما يشاؤون، علّمهم سلاح الارادة فقط واتركهم.

أختي، لا تهربي من محيطك الى الرجل، كالوردة في الحقل، دعِ الشمس تلونك والمطر يكسرك، وإذا انجبتِ لا تحتقري دورك المقدّس، فإن أعظم عمل في كل هذا العالم هو عناية الاولاد وتربيتهم، أعطيهم النور من عينيك والحنان من قلبك، فإن كل الرجال تحسدك وتتمنى أن تعود طفلاً بين يديكِ.

ـ 2 ـ

من الواقع الى الحلم، من حلمي الى واقعي طَافت ذاكرتي على سطحي ورمتْ بروحي في الأعماق وقبل أن أصل الى أعمق مكان وأول مكان، قبل أن أعود الى رحم أمي استوقفتني  “يوفروسيني” وصعدت بي الى الهواء مجدداً فَوَجدتني يداً تُبعد دمعة عن إبتسامة عذراء حدّ الكمال.

يُمكنك أن تكتمل كالبدر، أن تصبح جميلاً، لا بل ستصبح أجمل المخلوقات متى وجدت سلام روحك، متى أصبح الشقاء لهنائك رفيقاً. متى صرت أفقاً تجمع بعينيك الأرض والسماء ومتى غَرقت في ذاتك كل مساء لتجد أنّك مهما غصت وأينما وصلت في الظلمات ستعود الى حيث أتيت، من الرحمة بماء الخلاص الى النور الذي نبتَ من عينيك. فكما حملتك أمّك في مائها، هناك من أعماق البحر سيولد الإله سيصعد في النهر صوب الجبل الى السماء وحينها فقط سنعيش  أجمعين بسلام.

أنت تعرف كل شيء وفي أنحائك يُختزل كل شيء، اغمض عينيك وسبّح أُذنيك… لن تجد  إلاّ روحاً تتخبّط في سجنها بحثاً عن الحرية. أما أنا فلست هنا الا كي أزرع الشكّ في عقلك لتمضي وقتك وأنت تبحث بعيداً جداً عن الحقيقة التي يعرفها كلانا ولن يتجرأ بعد أحد منا بقولها.

كلماتنا هذه، لغاتنا، كل وسائل تواصلنا نتبادلها لنقول ما لا نعرفه وكل ما لسنا متأكدين منه، أما ما نعرفه تركناه هناك كالبحر يبقى مكانه، السماء تلاشقه والشمس ترشف منه  حتى يتأخر موعد ولادة الحق.

في النظرية توازن كفيل بخلاصنا، أن يعترف كل واحدٍ منا بما يعرفه، بكل ما بداخله وخلجاته. أن لا تترك شيئاً بداخلك، أن تفرغ مجدداً كلما امتلأت. أما هناك، على الأرض ستبوخ مع كل اعتراف، وسينخسف لونك كلما توازيت مع الشمس هذا إن سمحت لك الكلمات يوماً بالتعبير عما بداخلك.

هي تعرف بأنني أحبها وبأنني لن أكتمل بدونها وفي كلّ مرّة تلمس فيها ضعفي أحبتني أكثر لأنها راحت ووجدت نفسها في كل فراغي وملأته بكلّها. وما الحب إلاّ عثورك على ثغرة تتجه للعبور والإختباء فيها، لكنك لا تستطيع العبور إلاّ متى ضعفت وشطرت صدرك لتتسلل منه روحك إليها وتنساب كما النسيم في المسامات.

… وستصبح جميلاً أيضاً عندما ترضى بقباحتك وقباحة أعمالك يوم اقترفتها، أن تقف بكل ضعفك أن تعيشه وحدك وتحتقر نفسك وتغرق بعيداً في ذاتك لتجد بأنه ما من داعي لأي تبرير وبأنه لا وقت للندم. وكيف ستصبح جميلاً إن لم تك من قبل قبيحاً؟!.

في هذه اللحظات، أشعر بأنّني ثقبتُ الأرض بعامود طويل اخترقها من الجهتين، وهاأنذا أمسكها في قبضتي، أرفعها قليلاً فوق رأسي، أهدّيها على صدري “وأركلها” بكل قوة رجلي نحو السماء… هدف

ـ 3 ـ

تحملك الحياة من مكان الى مكان ويوم تفيض بك، يوم تفيض بها، تشعر بحاجة للمشاركة وبأنك امتلأت وأصبحت كخزان يبحث عن “صنبور” (حنفية)، عن حركة على حرف، تبحث على أطراف أصباعك عن معنى يشابه الإحساس الذي تعيشه، عن هواء يلاطف سطح البحر، عن قمر يجذب ماء البحر نحو الشاطئ… عبثاً تحاول، فتصمت… ثم تكتب أي شيء.

وأبسط الأشياء تكفيك يومها وكل التقادير والحسابات تبطل لحظتها، كما عندما يرمي النعاس رأسك على يديك فتستيقظ لتجد آثار يديك على جبينك لأنك يوم التعب لا تحتاج الى وسادة من حرير حتى تنام، أنت فقط بحاجة لأي شيء، أنت ما بحاجة لشيء. وكصائم أو جائع فطر على حبة تمر وقال : “خيّ”.

تَعمد على الإستدلال والتعليل، تذهب وتأتي بمقارنات ومقاربات حتى تثبت لنفسك أنك بما تقوم  وتقول معك الحق. تصمت مجدداً، وتستدرك في صمتك أنك كنت على وشك الإنفجار فكتبت. تُعيد قراءة كلماتك فتستنتج أنّها عادية جداً، بأنك كالجميع أصبحت حينما عبّرت، ولكنك ارتحت.

وفي كل مرة تُشير للحياة محاولاً وصفها، تراك مُضطراً على تبديل مواضع الكلمات والحركات عليها تتحضّر للحن. سيمفونية هي الحياة، عدةٌ من الحركات، مُصطفة جنباً الى جنب، باتجاه واحد ـ من اللاشيء الى كل شيء، معاً، بصوت واحد، : “حققوني، اشعروا بي”، من كل شيء الى لا شيء، معاً، وبصمت واحد ” … ” . أوتار فائقة في الدقة والكمال هي، راح الفيزيائيون بحساباتهم ومعادلاتهم يدّبرون لها نظرية شاملة فوجدوا أن هناك على خصر الوتر تتعدد الأبعاد ونحن البشر لا نقوى على رؤيتها كلها كالأنفاس الصاعدة نحو الشفاه الأربع الشاهدة على أول قبلة للحبيبة.

كاملة هي الحياة، ببساطتها وتعقيداتها، بوضوحها وغموضها. وبهية هيي الحياة بما عرفته عنها، بما لم أعرفه بعد وبما لن أعرفه إلا يوم أرحل عنها، أو يوم ترحل عني. ومنها نستمد وجودنا وفي خباياها نبحث عن ما ومَن نحب، نعيشها ونحن على علم بأننا في كل لحظة، في أي لحظة، قد ـ سوف ـ  نُسلب أغلى ما ملكناه فيها… وهكذا تمر الليالي والأيام ونحن خائفون من أن نقع، فنقع ومن بعدها نقوم لنقع من جديد.

في عيون الأطفال رأيت الحزن، رأيت هذا الخوف الذي يبدو لنا دائماً مجهول. حزنٌ يرافق البراءة، وما أصعب أن تكتب الحزن على ورقة في كلمة يملأها السكون وما أسهله هناك في كل  مواطن العيون، وما أسهل الفرح هنا “ميو ميو، بقوسي” وما أصعبه هناك في انكسار القلوب.

وفي رحلتك للكمال والتوازن مع هذا القدر وتلك الحياة تجد الملل في حدود احتمالك، يوم تعرف كل شيء وتكون حاضراً لكل شيء لأنك متى اكتملت انتهيت، كهذه الحياة لا طعم لها من دون الغموض الداشر في تفاصيل وضوحها.

لن تشعر بالحياة إلا متى أخطأت وتخطيت حدوداً جديدة في ذاتك، لأنه فقط عندما تخطئ تفكر بالموت وبمحاولة استعجال موعد الرحيل، صدقاً تشعر بالحياة وقتها. إن أعظم شعور وأبهى مكان يصل اليه الإنسان هو عندما يقر الواحد منا بكل ثقته ويقول بأعلى صوته : ” لو خيروني لكررت المجيء الى هذه الحياة، ولكررت فعل كل الأشياء التي قمت بها وبأنني أسامح الإله، أشكره، أحمده وأستغفره في آن”.

لو خيروني لكررت حُبي وخياناتي، تسرّعي وتأنياتي، تواضعي وغروري، صدقي وأكاذيبي… وأكرر عهدي ووعدي بأني لستُ لي وحدي، وبأنني سأنبهر أمام كل أعمال بنو أمي، سأضعف وأخطئ، وبأنني سأصلب نفسي أمام الملأ وأحاسبها وبأنني سأفتعل قيامتي طالما هناك على جسدي مواد تحملني.

وأسامح نفسي في أعياد ميلاد أخطائي وأضيئ نجماً في السماء وعندما وجدت كل هذه النجوم والكواكب والمجرات، صليّت، ركعت وعلى التراب تحت أقدامي سجدت.  ووقعت في حيرة تشبه حيرة رأسي على وسادتي في سقف غرفتي فكما تولد النجوم في السماء ـ بدقة تُشبه الفوضى وألوان الأطفال على دفاترهم ـ وُلدنا وكأن آثارنا عُلقت بين الأرض والسماء، منا مَن برحيله الى العدم قد انشطر، ومنا من رحل وخلّف لنا ضوءاً يأتينا في المساء على ومض. وأسأل نفسي الآن : هل أستطيع أن ألوم  أو أن أُدين مِنا أحد؟… أنا أضعف جداً من هذا، أنا أقوى جداً من أن أُجيب : “نعم” !.

وللذين عن أوتارهم أبعَدت الهواء يوماً، اتحداكم أن تحتقروني أكثر مما احتقرت نفسي، واتحداكم أن تعاقبوني بقدر ما عاقبت به نفسي. لأنني بعيداً عن الجميع، في سكينة الليل هجرت أضلعي  مرات، وسلّمت قلبي لجلادٍ العتمة والظلمات مرات ومرات وسكنت الأحياء المهجورة في عقلي كالنمل يبحث عن حبة قمح في إمعاء دجاجة.

… ولو خيروني اليوم، لكررت المجيء الى هذه الحياة، ولمشيت على ذات الطرق وفعلت طبق الأعمال. إن في عظمة الشعور الذي أعيشه اليوم ـ والذي لا أعرف أن كنت وجدت في مفردات الكلمات عن شبيه له ـ وجدت في طياته بأنني وقعت مجدداً في ظلمات ما وصلت إليها من قبل وبأنني عثرت من بعدها على شعور جديد بأبعاد لن تصل اليها حسابات الرياضيات وما وراء الرياضيات. فمن بعضي رحت وجمعت أفضل وأجمل ما عندي كمن يجمع العملات القديمة والجديدة والنادرة، وسكنت قلب امرأة اذا ما وجدت بقايي على رصيف برموش عينيها وتفاصيل يديها تجمعني. هذا هنائي، أماني، سعدي واطمئناني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نظرية في العلاقات العامة

عن طريقة في التعامل مع الآخر المطلق،  أحاول هنا جمع بعض النقاط لعرض طريقة أرى فيها حلاً للمشاكل التي تحصل بين الشخص والآخر.

أبدأ من مقولة “جون بول سارتر” الشهيرة : “الجحيم هو الآخر” . ولطالما كنت مؤمناً بتلك النظرية. أما الآن، أرى فيها عيباً يجبرني على إعادة النظر فيها وبمضمونها. أرى ال “أنا” جحيماً تحرق النفس والآخر. فمن هو هذا الآخر “المسكين” الذي ننعته بالجحيم؟

حقائق:
تقول أو يقول لي : أحب التحدث اليك. فكم من مرّة نسمع هذه الكلمات (أو عكسها).  أين “الأنا” و “الأخر” في هذه الجملة البسيطة؟ وهل هناك فعلاً “أنا” و “آخر” وأي منهما “الجحيم”؟

فعندما تجتمع “الأنا” مع “الأخر” لا يبقى هناك مكان للفصل بين الطرفين، بحيث يحكم التبادل المشترك العلاقة ويصبح التفاعل بين الطرفين ينتقل من سبب لنتيجة ومن نتيجة لسبب (في دائرة). فلا السبب ولا نتيجته ملكاً لأحد، وإنما للتفاعل، لتبادل الأشياء، النظرات والأفكار. حتى النوايا ليست من مسؤولية طرف واحد.

لو أتينا هنا للعلاقة ذاتها وتحديد مداها بين طرفين، ففي حالات التفاعل “التبادل” المباشر والملموس (صلة قرابة، صداقة، صحبة، معرفة شخصية…) لا بد لهذه العلاقة في هذه الحالات أن تلغي الحدود بين “الأنا” و “الأخر”، طبعاً بتدرج نسبي في التأثير بين الطرفين تبعاً لطبيعة تلك الصلة.

أما في الحالات المتبقية، صحيح أنّه يتعذّر على الشخص إلغاء “الآخر” الذي نظن أنه بعيداً عنا، ولكن هذا “الآخر” لطالما إنساب وينساب في “الأنا” بكل طلباتها، في باطنها، وفي كل الاشياء التي تربطنا نحن البشر ببعضنا البعض (إن كان خيراً تدعونا إليه الروح فينا أم شراً تديره وتبرمجه المادة بكل أشكالها الحسابية والعفوية).

لمدى التأثير (كل ألوانه) الذي ينتج عن التفاعل مع الآخر لا بد من سبب، هذا السبب، هذا الجحيم أم تلك الجنة تحكمها إرادة النفس فينا، قوتها في إدارة “الأنا” والاعتراف بها سبباً لكل شكل ولون تعرضه حالتنا على العيون في كل وقت من مشوارنا.

قبل محاولة صياغة الفكرة، لا بد من الإشارة  أن ذلك التفاعل (بين الشخص والآخرين) الذي لا يتوقف هو في حالة من الإستمرارية (التطور). لهذا، الحكم على أنفسنا أو على أنفسهم سيكون باطلاً في المكان وفي الوقت، لأن للمكان (الميحط) الذي تقطنه أنفسنا رسمنا حدوداً وهمية تؤثر (سلباً و/أو إيجاباً) على كيفية التصرف، والوقت أيضاً وضعناه على خط مع بداية ونهاية أو في دائرة تتداخل في دوائر اخرى. إذن، كيف لنا أن نحدد حالة نفس في تغيّر مستمر، إلا إذا أمكننا الحكم مع تحديد المكان والزمان والاعتراف أن هذا الحكم يتوجب علينا اعادة النظر اليه مع اي تغيّر في المكان وكل تقدّم في الزمان.

آه كم أخجل من نفسي الآن على الأحكام التي كنت القيها على نفسي مؤنباً وعلى الآخرين متهماً اياهم بالجحيم. يا لكِ من نفسٍ ضعيفة، لا تقوين على “الأنا” فيكي وتتهمين “الآخر” الدفين في أحشائك، والاقرب اليكِ من ذاتك.

لأن العمل (الفعل) فقط نستطيع ان نحصره في المكان والزمان، نستطيع الحكم عليه، لكن الشخص كحالة في تفاعل مستمر يستحيل أن نقوى على الحكم عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرياضة : وجه آخر للإنسانية وشاهد كاف على تدهورها !؟

في خضم  صراعنا ـ نحن البشر ـ من أجل البقاء على الكرة الأرضية، وفي محاولتنا للخروج من  المأزق الذي أودى بنا على هذا الحال من التخبط المستمر بين الجميع ضد الجميع، تتعدد أوجه وأشكال الصراع  والسبب واحد : طبيعتنا الإنسانية. فلا بد لنا من التنافس فيما بيننا حتى تثبت “الأنا” في كل منا وجودها ـ في وقت بقائها المحدود ـ قبل رحيلها. والتنافس هذا نجده على أعلى درجاته في ألعابنا كما في جديتنا.

وبطبيعة الحال، تؤدي المنافسة في نهاية المطاف الى مكافأة يحصل عليها الفائز. هذه  الأخيرة تُقسم الى شقين : مكافأة معنوية عند الفوز بلقب ما واخرى مادية بحصولنا على مبلغ من المال. وتختلف في المبدأ نسبة كل قسم من المكافأة (معنوية ومادية) بين اللعب والجد. ففي الرياضة ما نبحث عنه أولاً هو اللقب والاداء الفني المميز وذلك في غاية الوصول لفورة في مشاعرنا ومشاركتها مع كل من نحمل اسمه ونلعب من أجله بعد أنفسنا وأحياناً قبلها. فلهذا تأخذ المكاسب المعنوية الحيز الأكبر من المكافأة في الرياضة.أما في مجالات العمل قد نبحث عن مركز مهم يتناسب مع حالتنا السيكولوجية، لكن الشق المادي يُشكل القسم الأكبر من  آمالنا في نهاية الشهر.

نبقى دائماً في المشهد العام لمحاولة تقييم التغييرات التي حصلت حتى أيامنا هذه على صعيد الرياضة كوجه آخر للإنسانية. وما نحن ـ البشر ـ الاّ اللغز الأول والأخير لأنفسنا، نغوص في أعماقنا فتصعد بنا كي نغوص الى عمق أبعد من جديد حتى نكتشف أن حدودنا تبقى مجرّد احتمال.

حتى أصبحت الرياضة اليوم صناعة بحد ذاتها بعد أن كانت مجرد لعبة نبحث من خلالها على اللهو والمرح فالرياضة بالبدء هي وسيلة لتهذيب أشكال تنافسنا ومنعنا من الفلتان النفسي الأناني في عالم تُضطر أن تترك أخيك وحده لأن الظروف قد لن تسمح لكما بالبقاء معاً.

وقد نعود مرة اخرى ونشير بأصابع الإتهام الى الرأسمالية وراء هذا الحال الذي وصلت اليها الرياضة من مكافآت مادية هائلة لتجر اللاعبين نحو تنافس أشرس منه بين تجار أسواق المال, حتى راحت الأرقام القياسية تسقط  بالمنشطات والمخدرات.

هذه المكافآت المادية الهائلة التي أصبح يجنيها الفائز من لعبه فقط لن تسمح له الرأسمالية بالفرار بها بعيداً ولأنه يعرف أن كل هذا المال ليس ماله ما عادت حياته طبيعية كغيره من البشر وأصبح مطارداً في علاقاته الشخصية ومطالباً أيضاً بالمزيد. وأي لاعب اليوم مهما حقق من نتائج وأينما وصل في حدود نفسه يكفي أن يتعثر مرّة واحدة حتى يُنبذ ويُرمى الصفحات. أعتبر  ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ  السباحة الفرنسية لور مانودو يوم أردات أن تعيش حياة عادية كغيرها من الفتيات كيف باعها حبيبها وكيف احتقرها الإعلام الفرنسي في نكستها الأخيرة في بكين.

أنلوم العداء الذي يتعاطى المنشطات حتى يحطم الرقم القياسي في سباق المئة متر؟ أم نلوم شركة الأحذية التي اشترته وألبسته قميصاً يمتص عرقه من جهة وعروقه من جهة اخرى؟ أم نلوم الجماهير الغفيرة التي تناديه بأن يُعيد لها ثمن تذاكر حضورها من أجله…؟

بالرغم من كل هذا، تبقى الرياضة لعبة ركض تتقنها فتاة أفغانية تريد أن تعدو بأعلى صوتها وتريد أن ترفع علم بلادها الذي تحرقه حركة طالبان  كل يوم هناك حتى لو منعوها ستلعب. وتبقى الرياضة الأمل لشاب فلسطيني بأن يثبت للعالم كله حق بلاده بلعبة. وتبقى الرياضة في عناق فتاة من جورجيا واخرى من روسيا على منصة التتويج وفي ذات الوقت بلادهما تسيل بالدماء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعصابك بين أيديهم!؟

قد تعتبر، وتعتبر العلوم، كل العلوم بذاتها طريقاً نبيلاً يسلكه البشري لفهم واستيعاب أمور الموجودات بما فيها أمور الإنسان نفسه في هذه الحياة. لكن سلاح العلم هذا ذو حدين : إذ يساهم من جهة في تطور ورقي البشر عبر مزيد من المعارف نحو الحكمة وفي الجهة المقابلة، قد تؤدي، وتؤدي الأبحاث والإكتشافات العلمية الى فناء البشري كلما أساء استعمالها وأراد ترسيخها لمطالبه الذاتية ورغباته الحياتية التي لا تنتهي.

خلال العقدين الأخيرين راحت العلوم تتطوّر بشكل سريع على جميع الأصعدة، وما عاد هناك علوم أساسية كلاسيكية حيث يدرس كل علم لوحده كالفيزيا والكيمياء وإنما قسّم كل علم الى مجموعات صغيرة حيث راحت العلوم تتزاوج مُولدة مجموعة ما عادت تحصى اليوم من العلوم.

ولأن جميع العلوم هي من نتاج التفكير الإنساني ولأن علم المنطق هو الذي يدرس قواعد التفكير الصحيح، لا بد لنا كبشر ـ مهما بلغنا من التطور ـ أن نفهم ونستوعب ألية التفكير البشري. فبهذا نصل الى الدماغ البشري، وكي ندرك حقيقة كيف يعمل سنكون بحاجة الى كل العلوم… الى الأعصاب.

علم الأعصاب الذي يدرس ويتعامل مع البنى العصبية لا يكفي وحده لشرح ميكانيكية نتاج التفكير لذلك راحت الأبحاث لتضربه والكيمياء (كيمياء حيوية ـ عصبية ) والفيزياء (فيزياء عصبية) والمعلوماتية (معلوماتية عصبية)… وأكثر، حيث باتت الأبحاث والتقنيات الحديثة المستعملة اليوم في دراسة الخلايا العصبية وتصوير الدماغ تشكل فرص جديدة يقتنصها تجار العلوم لتسويق البضائع والرجال والآلهة والأفكار والقيم والمبادئ والأرواح…

بالأمس القريب، ومع الطفرة التي أحدثتها الأبحاث في عالم المعلوماتية والإلكترونيات أخذت الأعمال تتأقلم مع هذه التغييرات لتصبح اليوم ـ وإن بالغنا بالوصف ـ كل الأفعال جاهزة وقابلة للتنفيذ إلكترونياً وذلك ببساطة اضافة كلمة الكتروانية (أو حرف e ) أمام أو بعد أي عمل ابتداءً بالبريد ( e-mail ) ، ومروراً بالتعليم (e-learning)… الى ما عدنا قادرين على حصره.

واليوم جاءت الأعصاب (أو كلمة neuro ) بدورها لتقترن والتسويق (تسويق العصبي neuro-marketing ) والإقتصاد (اقتصاد عصبي neuro-economics ) والسياسة (neuro-politics) … حسناً، قد تكون تلك المصطلحات ركيكة وغيريبة بعض الشيئ او حتى غير قابلة للصرف عربياً، ولكنها طرق مستحدثة تحصل كل يوم معنا من حيث لا ندري.

ففي السياسة اليوم هناك خبراء يدرسون ودائماً عبر تقنيات تصوير الدماغ لمعرفة ما يجري على صعيد اعصاب الشعب وذلك لتسويق الحملات الإنتخابية، وكذا الإقتصاد والتسويق وكيفية صنع الإعلانات وتوجيهها لتدفع المستهلك الى فعل الشراء.
ليس هناك في أدمغتنا اي خلية او مجموعة خلايا ولا “زر” خاص بالشراء او بأخذ القرارت ولكنها مجموعة من التفاعلات بين مختلف أجزاء الدماغ يتم درسها لمعرفة متى تظهر السلوكيات ومتى وكيف تتم عمليات الإختيار وأخذ القرارات وأفعلية التفضيل. تأخذ عينات من الأشخاص ثم يتم تصوير دماغهم بالماسح حيث يتم عرض مجموعة من الصور والأصوات وكل أساليب التحفيز وبذلك يتعرّف الخبير على مدى تأثير كل محفز في اجزاء الدماغ ومن بعدها يتم اختيار الصورة المناسبة للإعلان عن المنتج قيد التسويق.

ماذا بعد؟
عندما دُرست عينات من الناخبين في الولايات المتحدة الأميركية أثناء الإنتخابات الرئاسية ما قبل الأخيرة، تبين أنه عندما تم عرض صور تفجيرات سبتمبر (أيلول) 2001 أن المناطق المسؤولة عن تفعيل الخوف في أدمغة ناخبي الحزب الجمهوري تتفاعل بشكل أقل مقارنة بمن انتخب جورج دبليو بوش، بأن الحملات الإعلامية والإعلانية للحزب الديمقراطي كانت تركز أكثر على الخوف وبالتالي على ضرورة الأمن ومحاربة الإرهاب.

بأنه اليوم، وراء أي اعلان وعبر الإعلام هناك ما يُحاك على صعيد الأعصاب لنا ما لسنا قادرين على مقاومته ولا مواجهته ببساطة. بإن إرادتنا أضعف من صورة مشروب غازي يمر على بغتة في اعلان مدروس فيه مكانه وزمانه وتأثيره على قراراتنا، قد لا نحتاج الى شراء هذا القميص، لكننا نشتريه، قد لا يفرق شيئاً إن انتخبنا هذا النائب او ذاك الزعيم، لكننا ننتخب، وقد لا نحتاج الى كتابة مثل هذه الكلمات، لكننا نكتب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدى حاجتنا الى الفن اليوم ؟

وجود الإنسان على هذه المعمورة سيتلخص يوماً بكلمة واحدة “حضارة”، فما سيتبقى منا أجمعين هو حضارتنا البشرية على هذا الكوكب. والحضارة أساسها الثقافة، هذه الأخيرة قد لا تحصى تعاريفها فهي في الحقيقة عبارة عن مجموعة ميزاتنا الروحية والمادية وبالتالي الفكرية والعاطفية التي تنشأ عن تأقلمنا مع الطبيعة. فالأفغاني لا بدّ أن يكون مختلفاً عن الكندي والياباني حتماً سيختلف بطباعه وثقافته عن اليوناني، لأن للمحيط الذي يعيش فيه كل واحد منا تأثير كبير على ثقافته : من المناخ الى الفنون مروراً بالإيمان والعلوم، بالقيم والعادات والتقاليد، وبالعقائد التي تترسخ فينا حتى ننقلها على شكل جينات الى الأجيال القادمة منا.

لقد وُضعت اليد على الجرح اليوم، وأصبحنا نصف هذه المشاكل العصيبة التي يعيشها العالم بأسرة “بصدام حضارات” عندما تشتعل الحروب “وبحوار حضارات” عندما يحلّ السلام مكان الحرب، وما حلّ يوماً بعد.

ومشكلتك النفسية إن تعمقّت جيداً فيها، لن تجد إلا صدام بين ما هو إنت وبين الميحط الذي تعيش فيه إن كنت أتيت من محيط مغاير. في قلبك معدن سيشعّ بطاقة أعظم من النووية اذا ما اصطدم بمعدن آخر. ستجد ثقافتك التي ورثتها في صراع مع الواقع الذي تعيشه. وهكذا العالم، كل العالم، من الفرد الى المجموع، من المجموع الى الفرد.

إذا ما وجدنا الطريقة التي نستفيد عبرها من الطاقات الهائلة التي تنتج عن اختلاط الثقافات سيخرج كل واحد منا بنتيجة إيجابية نحو تبادل يؤّدي الى تعديل طبيعي نحو الأفضل في ثقافتنا. أما أي صدام يَدوي مُتعمّد ومُرافق بالعنف بين ثقافتين فمن الطبيعي أن يؤدّي الى الإنفجار… وهذا ما نعيشه في الحاضر.

هذا التطوّر الحاصل في وسائل الإتصال بين الجماعات البشرية المختلفة جاء ليكمل تلك العولمة التي يريدون من خلالها زيادة في المنافسة داخل المجموعة الواحدة حتى ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامة للشعب. والإعلام هذا السلاح الرسالة حينما تدخل في معادلاته ميازين التجارة لن يفقد مصداقيته وحسب، بل وسيصبح فتيل الإشتعال.

فعندما تُستعمل وسائل الاعلام والاعلان في هذا المنحى من نقل غير مسؤول للثقافات، ستجد أبواقهم تبحث عن أحمق هنا ـ يظن بأنه أدلى بصوته وثقافته على الهواء ـ وأحمق آخر هناك، وينشروا أصواتهم على الحبال التي تحلو لهم حسب مصالحهم حتى تصبح الرسالة بروباغندا.

ينقلون فكرك كيفما يشاؤون ويشّرحون عقيدتك كما يريدون، يرمون بصوتك هنا وهناك ينشلون… لكنهم أبداً من فنّك ما هم بمقتربين لأنهم لا يستطيعون تحريف كلمتك متى نقشها الوجع على جبينك، ولن يقدروا على إخفاء مشاعرك الحقيقية في ألوان وخطوط لوحتك، ولحنك، أغنيتك التي طرّزت نوتات من أعماق ذاتك على كلماتها وصعدت بها من العيون صوب السماء ستحملها غيمة بيضاء وتضل تُمطر بها على واقعهم حتى يفهمون…

إذا كانت الثقافة ما يتبقى عندما يزول كل شيء، فالفن وحده يبقى عندما تتصادم الثقافات لأنه خلاصة الخلاصات. هو السكون في الصمت وهو الوجع من اللاشعور، هو برج يصل من الأرض الى السماء في عيون خرساء، هو حبنا متى غفر الحب لنا حبنا، بقايانا يوم نجتمع كلنا هناك خلف كلمة تصف ما أوجدته رحلة البشر في الجنة. والفن هو تلك اللحظة يوم جاء الهواء صوبنا لينقذنا من طيشنا، لحظة أراد أن يعبر ويسكن قلوبنا فمنعناه. والفن، امرأة في لوحة رسام أنجبت طفلاً أصبح بين يديها كوناً ويرى بعينيه السماء ممتلئة نجوماً، كواكب وأقمار…

قد تكون هذه المحاولة دعوة لتبني الفن وحضنه كطريق نعبر خلاله كل اختلافاتنا ولكي نتبادل ثقافاتنا عبر الفنون من فن الطبخ في طبق على مائدتهم الى رقصة على هوانا في ساحاتهم أو في رسم بألواننا لأعينهم…

وقد تبدأ من ذاتك وصراعك معها بين ثقافة ورثتها وثقافة عليك التأقلم معها، من وطنك في صراع شعبه الواحد وتعدد ثقافاته، في أمتّك… في كل العالم. علينا أن نستوعب بأننا متشابهون في الأصل ونختلف فقط في الفصل لأننا وُجدنا في وقت ومكان مختلفين مع عوامل طبيعية بحتة أدّت بكل واحد منا ـ بكل مجموعة منا ـ أن يطوّر أساليب ونظم وطرق مختلفة وقد تكون هناك طرق وأساليب أفضل من غيرها بين الشعوب ولكنه لا يحق لأيّ منا بأن يفرض أساليبه ونظمه ولا حتى طرقه على الآخر. وإن كنت على يقين ـ متى وصلت الى اليقين ـ بأفضلية طريقتك على غيرها فاصبر، واعلم أنّ الوقت الذي أمضيته وشعبك في اكتشاف طرقكم ستحتاج الى أضعافه بعشرات المرات حتى تنشره في عقول الشعوب التي لا تمشي على طريقتكم وأنك ستحتاج الى أضعاف ذلك الوقت بملايين المرات حتى تدخله قلوبهم.

وأنت إن حاربك أحدهم وحاول أن يفرض عليك نظمه بطريقته، لا تنجر معه وتحاربه بطرقك أنت الآخر، لأن الجحيم في انتظاركما. وإن كان لا بد من الرحيل فاترك أثراً من روحك في فنّك حتى نذكرك قبل أن نلحق بك.

والفن هنا، طريق فرعي يختصر أبعد المسافات وفي آخره علبة صغيرة خضراء ـ كصندوق الطائرة الأسود الذي يحتفظ بكل المعلومات المهمة خلال الرحلة ـ كُتب عليها بالأحمر “الحضارة البشربة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحويل الأفكار الى منتوجات وخدمات… وأكثر

تنتابنا من وقت الى آخر حالات من الملل واليأس، لا نعرف اغلب الأحيان مسببات تلك الحالات. فكل تلك الأحداث تحصل في الراس الذي يختزن حياة كاملة تربط الحقيقة والخيال، تجمع الأفكار ولا تلد منها الا القليل من الأفعال، فبين ما يدخل من معلومات وما يخرج من العقل فرق شاسع وهذا الفرق بحاجة الى التقليص، ولهذا ترانا نرتاح عندما نكتب ونرسم، نغني ونرقص، نضحك ونبكي، وبرغم ذلك كله يبقى هناك فرق، وهذا الفرق لا يعدّله إلاّ العمل الفعلي والمستمر في الوقت.

كيف لتلك الأفكار التي تنتج عن عجين المعلومات وحاجات الأيام؟ كيف لنا أن نحولها الى أفعال الى منتوجات ملموسة وخدمات؟ وكيف نحافظ على استمراريتها في الوقت وفي المكان؟ هذا الموضوع هو محاولة للأجابة على تلك الأسئلة، ومتابعة مشوارنا بشكل أفضل في اروقة هذه الحياة.

لا أعتقد أننا نستطيع أن نتحكم بكمية المعلومات التي تدخل الى العقل( عمداً أم عفوية) عند اصطدام حواسنا بالمكان وما فيه، لذلك العمل على تخفيف المعلومات التي تصلنا لن يكون بالأمر السهل، ولا أعتقد أن هذا هو الطريق الأسلم في التقليص من حدة الضغط في عقولنا. بل الإنتاج هو السبيل.

إن كانت الأفكار فنية بريئة ام اقتصادية بحتة يحب علينا ان نحولها الى افعال، لأننا إذا تركناها تلتف حول أعيننا ستعمينا، علينا أن نسلّمها لأيدينا لتحول الطحين الى رغيف.

ربما لأننا نفكر بعشوائية، لا يمكننا فصل الطحين عن الماء في عقولنا، فصل الحقيقة عن الخيال. عندما نريد أن نترجم فكرة ما نتمنى لو نسطيع ان نستعير كل المعاني وتبديل مواضعها لنشرح في حين نكون فقط بحاجة الى القليل حتى الى “العامية المطلقة” من الكلمات البرئية لنعبّر.

بماذا وكيف يجب أن نفكر لكي يكون هناك خلاص وولادة؟
عندما تكون الحاجة شخصية ولا نستطيع ان نقيّم حجمها عند الآخرين، نبقى في دائرة الفنون، بحيث نهرب الى القلم والريشة ولباقي معدات الفن الى النكتة والإبتسامة، وكل ما نترجمه جميل وعندما يحصل عليه آخر وعندما يصبح عملاً على ورقة، على شاشة، يعبر الآذان او يجتاح العيون، ستكون هناك نتيجة من وراء هذا العمل، نتيجة من مشاعر تولد عند الآخر الذي تناسب هذا العمل مع حاجاته، مشاعر وأحاسيس وربما طاقات تولد عند الآخر للقيام بالمثل او حتى افضل. والجميع سيكون راضياً، المنتج لأنه أولا ارتاح من كمية من الأفكار وسلّمها للحقيقة، والآخر لأنه وجد فيها ما لم تستطيع يداه أن تترجم.

الإقتصاد الذي يحيط بكل العلوم ويسيرها يكون الشق الثاني من محاربة الملل، وهنا طريقة التفكير ضروية، بحيث يجب علينا طرح بعض الأسئلة قبل البحث في الأفكار،

أولاً يجب علينا معرفة إن كان هناك من يحتاج الى ان تصبح هذه الفكرة ام تلك حقيقة؟ بمعنى آخر تقييم الطلب وتقدير حجمه وإلاّ إذا كانت الفكرة حاجة شخصية فإن كلفة تحويلها عبء ثقيل نحن بغنى عنه

علينا أن نسأل ماذا يضيف هذا المنتوج (و/أو الخدمة) على الموجود ولماذا المستهلك سيشتري هذا المنتوج بدل من غيره؟ وبإجابتنا على هذا السؤال نعرف ما يحب علينا إضافته، تعديله ام حذفه، وفي ذات الوقت نقيّم الفكرة ومدى اهمية تنفيذها. ومن ثم علينا ان نسأل عن امكانية تطوير هذا المنتوج في المستقبل وماذا يمكن ان نفعل بعدما يصبح السوق ممتلئا وإذا اصبح خارجاً لوقته؟ لأن السرعة في تطوير المنتوجات أصبحت هائلة. خلاصة الحديث : علينا أخذ الكثير من العوامل بعين الإعتبار( ولا سيما الغد) قبل أخذ أي قرار انتاج

بعد قطع هذه المرحلة الأولية والأهم، يبدأ العمل الفعلي الأولي بوضع خطة (استراتيجية) يتم تحديد فيها : لمن سيكون هذا المنتوج موجه؟ في أي مكان سيتم توزيعه؟ وعبر اي وسيلة توزيع؟

نمر من بعدها بالبحث عن الكلفة التي يحتاجها العمل للإنتاج، البحث عن المواد الأولية، عن بناء عن توظيف وما الى هنالك، وهذه المرحلة هي الأسهل بعكس ما يظن البعض، لأن المال والحصول عليه ليس المشكلة، هناك الكثير من المستثمرين يغرمون بالمشاريع وبدلاً من تجميد أموالهم في البنوك يفضلون الإستثمار الحر، علينا فقط وضع خطة وأن نكون مؤمنين بالمشروع، وبعد ذلك نناقش المال مع صاحبه، بحيث إذا كنت قد وضعنا خطة نستطيع تقييم مردود العمل بعد اكثر من سنة قبل البدء بالإنتاج، وبذلك نكفل (بالقانون) رد المال الى صاحبه في الوقت المحدد لذلك، مع فائدة يتم الإتفاق عليها في العقد.

للحب اشكال وأخوات، كما ننجب الأطفال ثمارا للحب، أعمالنا تتويج لوجودنا وبقائنا، كالحرارة التي تولد كل لقاء للرفيقة، تحمينا اعمالنا من صقيع الياس والملل

الراحة والعمل توأم يفصل بينهما الملل، فعندما تعمل وتشعر بأنك تقوم فعلاً بشي ما، على ثقة انك تجمع في مشاعرك الراحة والسعادة، لا نحتاج الى ان يأتي العمل الينا، لدينا ما يكفي وأكثر لكي نفعل ونحوّل ما يجوب في عقولنا وقلوبنا من معطيات الى أعمال، بالكلمة… واليدين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هاييتي : صندوق باندورا ونحن

أيا عابثاً بطبيعة الأشياء مَهـلا، فمـا
زَرْعُ الأملِ في أرض العِبارة سَهـلا.
وإن حَدَثَ وأنْجَبَت كَلِمَتُك أمـَلاً هنـا
فهناك مَنْ تَنيّح عن الحياة لتَعِشْ مـَدَدا

في كل مرة أحاول التفكير والكتابة، أجدني كمن يعبث بالأشياء وطبيعتها مهما حاولت بذر الحب والمحبة في أثلام الكلمات والعبارات. وأعود أدراجي للبحث في أنحائي عن فرق بيني وبين صخرة أو حبات رملِ أتمدد عليها هناك على شاطئ البحر، فكلانا تعرّض للحياة، أو تعرّضت الحياة له، و كلانا يُستدل على طبيعته ومرور الوقت عليه بنظرة واحدة.

قد تصل لنتائج غريبة لا يقبلها المنطق في بحثك عن الحقائق، كما لا يسمح لك المنطق في مشاهدتك للمآسي التي يتعرض لها من لا فرق بينك وبينهم إلا البحر. وكيف لا تكون النهايات مأساوية عندما يُعتبر انفجار العدم أقرب بداية لوجودنا… والحجر.

وأفكّر، متابعاً العبث، بهذا التفكير الذي يعتبر إحدى الفروقات بيني وتلك الصخرة. فأجد أنّ أعظم الإبداعات ما هي إلاّ الوجه الآخر لأشدّ الحالات مأساوية، أنّ كل محاولة بناء وإنتاج مواد ومشاعر يقابله هدم ودمار. أن كل الأشياء توازي اللا شيء، أن لا شيء أنا، أن لا شيء هنا… لولا هناك.

أنّ الثمار التي تنضج بهية في حقلي بأسمدة الفوسفور قد قدّمت لها حقول هناك هذا الفوسفور من جوفها… فتتلف أراضي وأنحاء لتعيش على حسابها غير أشلاء ويبقى التوازن… ونستنجد بالأمل! ايـه يا صندوق باندورا…

ما هي المعادلة اليوم؟
أن انتشرت العلل والشرور في عالمنا وبقي الأمل عالقاً في قلوبنا؟ أن لا مفر اليوم من الأوجاع؟ أن لا سبيل لنا إلا الأمل؟ وبأننا نذنب في كل خطوة نحاول فيها تغيير التوازن، مع أننا غير مسؤولين عن مجيئنا لهذا العالم… من المذنب؟ وماذا نستطيع أن نفعل؟

عندما تراقب التنازع بين النبات إذا ما نمت وكبرت تنازعت على الضوء والغذاء، فبعضها يغطّي الآخر ويقتله خنقاً بعدما يقطع عنه الهواء أم يمد إليه جذوره فيمنعه من الغذاء. ثم تشاهد أن الأسماك قد تلد الواحدة منها مئات الآلاف من البيض، فلو نجت هذه الأعداد من العقبات وأصبحت جميعها من الأسماك لأمتلأت البحار والمحيطات بهذه الحيوانات وأصبحت كتلة يابسة ومن غير المستبعد أيضاً أن يصعد الماء حينها الى أعلى السماء وبقي معلّقاً هناك.

ومع إزدياد أعداد البشر رغم كل محاولات الإنتخاب الطبيعي منها وغير الطبيعي، قد تصل الى خلاصة مفادها أن هواء الشهيق لا يكفي كل هذا الزفير وأن المساحات المربعة لا تكفي للإيواء، وأن النبات والحيوان لا يغطي البطون والإمعاء… وأن كل هذه الموجودات لا تكفي كل هذه الأعداد وما تحويها من رغبات. فلا بد من الحروب والدمار لتصغر الأرقام، ولكني لست أدري إن كان من داعي لسقوط آدم وحواء.

وحين لا يكفي الإقتتال تمتد يدُ خفية ببركان أو زلال وإن لم تغضب الأرض كما نقول ستغضب السماء لتخطف مزيداً من الأعداد وتعيد توازناً لو خُيّرنا لما ارتضيناه.

ومن مكانك كم هو عدد الإتجاهات التي تستطيع أن تسلكها للتخفيف من وطأة الحال؟
الخمول في أضيق مساحة أو الإنسحاب أو الكف عن التكاثر والإنجاب، إذ قد يقلل دورك بعد حين من عدد القتلى هنا أو هناك … هذا إن فقدت الكارثة من وقعها باختلاف عدد من حطت عليهم المأساة… عبثٌ كل هذا، ولكنك تسأل نفسك حقاً عن قيمة الحياة!.

مؤسف هذا المشهد، في كل هذا اليأس من العدل أبحث عن مخرج أكثرحيوية حتى أجد فرقاً واحداً بيني وبين أي نوع من الموجودات، هذا إن تعددت الأنواع… وأتأسف لأني أدرك سلفاً بأنني غير قادر على الإستسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمل !؟

محاولات كثيرة تقوم بها الأقلام المحايدة لوصف الخلاف الحالي بين أطراف النزاع في لبنان. لشرح الحالة، تحليلها ولتقريب وجهات النظر وأيضاً في القاء الضوء على كيفية تفكير ورؤى الأطراف لبعضها. أحاول هنا الغوص أكثر في التفاصيل الصغيرة جداً التي ـ برأي ـ لا تقل أهمية عن غيرها من الأسباب والعوامل حتى وصلنا الى هذا الوضع الرديء بكل ما تحمل الكلمة من معاني.

أبدأ بسؤال : هل ما زال هناك أمل في التباحث لتقريب وجهات النظر لدى الشعب بكل فئاته؟
في الحقيقة ما دفعني للشك هي الطرق المستعملة (من كلمات وأفعال)، اللهجات القاسية من استفزازات الاطراف لبعضها وردات فعل مستفزة هي الاخرى حتى أصبحت “النكاية” اللغة السائدة على كل المحاور.

أجزم، ما دام الأمل موجوداً. لأنه لو فُقد الأمل لا داعي أبداً للكلام، لا لردات فعل، لا لمحاولات ولا لأي عتب كان. فإذا كان كل فرد من الشعب يريد أن تنتهي الخلافات والمشاكل، وإذا لم يعد هناك أمل… فلا داعي للقيام بأي شي، لأن التصرف أي تصرّف في حالة كهذه (رغبة في التحسين من دون أمل) سيزيد الوضع سوءاً. لذا، السكوت أفضل ولشرايين وخلايا أدمغتنا حق علينا، فلنقتصدها لشيء نعوّل عليه آمالنا.

وصف الوضع ومحاولة رأي
نعم، الوضع سيئاً جداً، وهنا السؤال : لماذا وكيف ازداد الحال ويزداد سوءاً؟ أما تعتقدون أن أهم أسباب تفاقم الوضع هي العبثية في التصرّف حيال الإستفزازات وردات الفعل الخالية من الموضوعية؟ سأحاول التناهي الى الصغر كي أشرح عبر التفاصيل الصغيرة كيف تتفاعل الخلافات وتكبر

بلى، يوجد أشخاص (أشدد على كلمة أشخاص) تتقّن المسّ بالشرف والكرامة، تمتهن لغة الاستفزاز، هذه الطفيليات تعيش على تفاعل المُستفزين معها. ماذا نريد حقاً؟ أما نتمنى أن نتخلّص من هذه الطفيليات أشباه الرجال؟ إذن، الخيار الأسلم هو عدم امداها بالغذاء التي تعيش عليه.

أختي، أخي، شركائي في الوطن، ستجدون في مدرستكم، جامعتكم، في عملكم، في الشارع أو حتى بحانبكم في سيارة الاجرة… ستجدون هذه الأشكال من البشر، ستلمسون الحقد بأعينهم… ولكن هل يحق لكم التكلّم بالجمع مهما كثُرت أعدادهم؟ هل يحق لنا أن نحكم على كامل فئتهم وانتماءاتهم (طبقية، حزبية، طائفية…) بنفس حكمكم عليهم؟ فهذا المعلّق الضائع في بحثه عن كلمة حق يريد أن يقولها تراه عندما اتُهم بحكم عبثي راح يلاشقنا مفتخراً باتهاماتنا له.

أمثلة
في التشنّج الحاصل اليوم، أصبحنا نرى بوضوح تبادل نفس الأفعال ليضيع الحق بين الاستفزاز والانفعال الناتج عنه. فمن كان صاحب حق تراه راح وانجّر في دهاليز الظلم، لتخيّم الظلمة على كل المفارق ويختفي النور وراء الوهن.

دعونا نراقب اليوم ـ أجمعين ـ شعاراتنا، عصبات رؤوسنا وما خطته وتخطته أقلامنا على كتاب التاريخ… أما تكفي بقع الدم بعد؟ أقلام الرصاص أما حان الوقت لها أن تنتهي؟ أصبحنا نتلطى وراء المظلومية، ننتظر الآخر كي نرد عليه، لا بل أراني أحضّر ردة فعلي من قبل، كيلا يسرق الوقت منّي انفعالي.

إن كان للشهداء حق علينا، هؤلاء الرجال اللذين رحلوا بصمت، رحلوا كي يدافعوا عن الوطن، كي يبقى الوطن… ألا يستحقون هؤلاء القليل من الصمت، ألا تستحق دماؤهم القليل من الاحترام. هم ذهبوا ولا همّ لهم ماذا سيُقال عنهم وبماذا سينعتون، ذهبوا للوطن، للحق. أراني عندما أنغّر وأحتمي ببطولاتهم وكأني حشرة تنجّس أسماءهم.

فما هم بحاجة للدفاع عنهم، يسكنون الروح قد شلحوا أجسادهم ولبسوا الحرية مكانها، قدّموا استقالتهم من عالمنا المادي المزّيف، فبكل انساننا بكل قيمنا الانسانية النبيلة لن نقوى أبداً على الدفاع عنهم مهما مسّهم العدا والغدر. لنتركهم حيث هم بسلام، لنترك المسيح، لنترك الحسين… لنترك كل ما آمنا ونؤمن به، لنكون نحن، أنفسنا، ننظر ما صنعته أيدينا نحن… لننظر في المرآة سنجد الأنانية وقد طوّقتنا.

خلاصة واقتراح
أكاد اسمع صديقي الذي اشتهد في تموز يقول لي، اتركهم لا تعبث معم، لا تنجّر الى حيث يريدون أن تقع… يقول لي : اتركني أنا أيضاً، وإن كنت فعلاً صديقي أثبت لهم أنّك أفضل منهم، أثبت لهم بأفعالك أنت، يقول لي لا داعي أن تفتخر بي فأنا هو من يريد أن يفتخر بك وبأعمالك.

في كل مرّة رحت كي أناقش أحدهم، كان يتملكني منذ البداية إحساس بأنني على حق وأن الآخر على خطأ، وفكري يأخذ بي أكثر ليعزز أحساسي هذا، لأنفعل من ردة فعله، لأرد عليه متشجنجاً. لم أعرف لما لم أصل الى حل معه. لأنني ما استطعت أن أتخيّل نفسي مكانه، أن أكون في مكانه فشلت.

لا بد لنا اليوم أن نسأل أنفسنا : الى أين أودت بنا أفعالنا وردات أفعالنا على أفعالهم؟ ها هي النتيجة اليوم على رصيف الشارع الفارغ من العمل. لما لا نتوّقف قليلاً عن رفع الشعارات والاحتماء وراء بطولات وأفعال من أحببنا ومن لهم حق علينا.

قد يكون الحق واضحاً كعين الشمس في هذا الوضع الراهن. أكاد أرى أفعالنا قد شوهته ليختفي شيئاً فشيئاً. قد يكون الرد حقاً واجباً علينا أحياناً ولكننا لا نملك كلنا نفس القدرة على انتقاء الكلمات والأفعال المناسبة. لذا علينا أن نترك حق الرد لمن هو قادر. ولا داعي أيضاً للفرح والبهجة واطلاق أقلام الرصاص في الفراغ عند كل رد. لأن الرد بحد ذاته ليس انتصاراً.

شخصياً، أرى أن اهم أسباب تفاقم الأزمة هي تلك الاستفزازات والتنشنّج بردات الفعل عليها. تكون المشكلة معروفة وصغيرة، ومع كل فعل استفزاز وردة فعل عليه تضيع المشكلة الرئيسية وينشق عنها الكثير من الخلافات حتى لا ندري ما هي المشكلة أساساً.

كم أتمنى من جميع الفرقاء أن يحاولوا صياغة مادة جديدة لتعليم الأجيال على كيفية التعامل مع حالات الاستفزاز. مادة أساسية في مكتبات وعلى أدراج مختلف الفرقاء. مادة تحدد متى وكيف يتم الرد. لما لا لتكون مادة تُعلّم في المدارس والجامعات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ايزابيل

(جزيرة بالمحيط الهادئ)

مشلوحاً في نفس الغرفة التي تعوّدت على رائحتي، والصمت يرافق السائل الذي لطالما اشتقت لطعم الملح فيه، نظري ممتد في الفراغ تمتصه الصور المعلّقة على حبال ذاكرتي.

ويغرق بصري هناك على الحد الفاصل بين الداخل والخارج، في عينيي، ويأخد بكلّي الى إيزابيل.
كنت قد تعرّفت على إيزابيل من خلال برنامج على التلفاز، وقعت مغرماً بها… أحببتها ورحت أسمع حكايتها، لأعرفها أكثر… والآن ترافق أيامي كل لحظاتي مع أنها بعيدة، بعيدة جداً.

إيزابيل جزيرة ولدت هناك في أعماق محيط لا أدري لما يسمى بالهادئ، أخذت تحصر في قلبها كل ما تختزنه أمها الأرض في جوفها من ضغط، عذاب ونار… لتنفجر إيزابيل وتسقط على سطح الماء المالح.

من الوجع رأيتها تولد ناراً ودخان… من فوهة بركان… بقيت إيزابيل تتغذى من نار أمها تلفظ النار فوق الماء وتحمل من الأعماق بعض من معادن والدتها ليشتد جسمها. وراحت تغطي جسدها بغيوم من الدخان خوفاً أو ربما خجلاً من نظرات القمر عليها.

عندما شبع الوجع منها، استلقت إيزابيل على الماء، أتى الهواء لينزع عنها ثوبها الدخاني وراح يرمي فوقها ما يحمله من كل أرجاء أمها الأرض : بعض من حبات رمل وغبار تحتمي بها خلايا مخلوقات، بذور ثوب جديد أخضر يريدها الهواء أن تتزين به… لتنضج إيزابيل وتصبح جميلة، رأتها السماء أخبرت عنها الشمس، كل الكواكب أحبتها، والقمر المسكين ما بوسعه الا مداعبة أطرافها كلما حاول الأقتراب منها تبعده أيادي كل عشاقها…

أصبحت إيزابيل محط أنظار الجميع، والكل يريد أن يعطيها ويريها ما يملك، السماء تقدّم لها الماء، الشمس تعطيها بعض الدفء، الطيور راحت تنشد لها موسيقى الفرج…

إيزابيل ما زالت صبية صغيرة في عمر المراهقة، لم تكتمل بعد فرحتها، وجدتها ترى أمها تولد لها إخوة صغار بقربها…أخذت تمد لهم يدها، لتحضنهم… لتكون أماً لهم، يؤلفون معاً صفحة حياة.

تنتظر ايزابيل الفرح والسعادة، ظنّت أنها بعدما أتت من الوجع لا بد أن تحصل على نصيبها من الراحة. فهي لم تعرف لما كل هذا الألم والوجع المختزن في قلب أمها، لم تعرف أسبابه، لم تعرف أنّ جمالها سيجذب البشر اليها، ليتحاربوا ويتناحروا عليها، لم تعرف بعد أنها سيشعلونها يوماً ما بإسم حبهم لها.

لكنّك تراها الآن تحس بهذا الشئ الغريب، تشعر بهذا الخوف، فإيزابيل ترفض الهدوء حتى الآن ما زال النار يخرج من عينيها والسماء تدمع عليها، ما زالت ترفض ان تقدّم الحياة لكل البشر… لكنها ستستلم يوماً ما كما استسلمت أخواتها من قبلها، ستستلم للبشر، لأنها تحبهم، فهم منها جاؤا أيضاً… لكنها ستريهم وجعها وحبها على أمل أن يحاولوا مقارنة انفسهم بها… قبل يأسهم واحباطهم، قبل تهورهم وحماقاتهم…

تذكرني إيزابيل باخواتها الكبار، تلك الصفحات المنتشرة على الماء… بمسيرتهم…بما يحملون ويحلمون… بمسيرة أمهم حملها وحلمها… أراها تسخر منّي وبالمعاني والمصطلحات التي أستعملها : وجع، صبر، وقت، عطاء، حب، كرم، فرح….

تذكرني إيزابيل بعدد المرات التي دست فيها بأقدامي التراب دون أن أنظر اليه.
تذكرني إيزابيل بإختها فلسطين وتمنعني أن أصدّق أن أولاد فلسطين سيبعدون عنها وأنهم سيتركونها. ففلسطين منهم وهم منها وكيف يبعدون؟
تذكرني بحماقاتي عندما رحت اتعدى على الحب
تذكرني بتعلّقي بأرضي، بالجنوب
تذكرني وتعلّمني كيف ولماذا يتعلّق الشعب بأرضه

تذكرني إيزابيل بأمي… بحبك أمي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا (كلّي) من فضل أمي

… وأشهد بأنك أمي وأُقسم سأكتب على جبيني بأنني من فضل أمي كما يكتب الناس على مداخل بيوتهم وقصورهم بأن ملكهم من فضل ربهم عليهم، فأنا هذه المادة وذلك النَفَس الذي يلعب في أنحائها، بعض مني… وكلّي غداً، من فضل أمي.

ويشهد الإله بأن وجعها من عمق أوجاعه وبأن راحتها من راحة أولادها. ويشهد الله بأنه يحق لي بالغرور لأنني فقط ابنها فتأمرني بالتواضع، وأُقسم لأنك أمي لكِ وحدكِ سأبقى.

لقضية امرأة شاء الخالق أن يتركها وحدها مع خمسة أطفال (اشتقتلّك بيي)، امرأة تقدّمت الى الحقل طلبت يده بعد والدي وتزوجت منه، امرأة حملت معولاً فأصبحت أباً وأماً في جسد واحد وفي روح واحدة، امرأة حرة ما احتاجت يوماً الى إنسان ولا الى شيء ، امرأة كسر ظهرها الجبل عندما حضنته، امرأة حنّت يديها بالزعتر، ومرمغت جسدها بشجرة الزيتون، امرأة زرعت القمح بين ذراعيها والتبغ طاب بالندى تساقط عليه من عينيها…

امرأة لطالما حاولت أن أفتخر بها وعلى رأسي تاجاً أحملها، امرأة اطلقت كل ما بوسعها والحقل والخيمة والجبل يشهد كي تبعد أولادها عن سلاح الموت وتُمسكهم غصباً عن طيشهم سلاح الحياة، امرأة عملت كل شيء وأكثر كي تعلّمنا ما لم يعلمونها اياه أهلها فأضاءت لنا الطريق بنور عينيها لا تتسع اليه السماء وعبّدتها بالتراب يتساقط من علي جفنتيها…

لأنك أمي، رأيتك تُصلّين للإله الواحد فكفرت بهذا الإله
لأنك أمي، سلمّت وجهي لنور السموات والأرض وجدت الله، وجدتكِ فوجدت نفسي
لأنك أمي، طلبت السماح من الخالق فسامحني
لأنك أمي، أطلب باسمكِ السماح من كل من أخطأت بحقهم وخذلتهم
أمي، سامحيني، ولكنني لن أقدر أن أكون لغيركِ
وأطمع بفعل الخير لأكتب على جبيني : “هذا من فضل أمي”.
لأنك أمي أنا بخير.
فأنتِ الخير
أنا منكِ
كل عام وأنتِ بي
كل عام وأنتِ أمي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: