شو بيعرّفني

ـ 1 ـ

عندما تداهمك الأسئلة عن المصير في كل هذا تأتيك أفكار لا بد أن تقف عندها هذه المرّة، وكأن هناك عطل ما في الطريق التقليدي الذي نسلكه ـ كبشر ـ في هذه الحياة : تولد، عليك أن تأكل (إن أجدت)، عليك أن تبحث عن الفرح والسعادة، عليك أن تجد شريك حياتك، أن تبني اسرة وتنجب الأولاد، أن ترعاهم ليشتدّوا… ثم ترحل.

تبحث عن تعريف أو خلاصة للحياة فتجد أنها سؤال وجوابه الموت، أن الموت سؤال وجوابه الحياة تستنتج أنه على قسم منا أن يرحل كي نبقى، على قسم آخر أن يتعذّب كي نتعلّم. لا بد ان يكون القاتل آخا للمقتول ولا داعي كي تعرف لما القاتل قتل ولما المقتول قُتل !.

تسأل نفسك اليوم ـ مع كل هذا الظلم ، مع اعداد من هم بحاجة للعطاء ـ تسأل : أعليك حقاً اليوم أن تنجب مزيداً من البشر كي ترعاهم وهناك من هم بحاجة لكل شيئ، أوليست أنانية تلك التي تدفعنا كي يكون هدفنا “السامي” بناء اسرة جديدة مع أعداد جديدة وأن يكونوا أولادنا أفضل الأولاد ؟.

أفعلاً عليك أن تبحث عن السعادة كل الوقت وتخرج من الحزن بأسرع وقت ؟ أين العدل ! نتمنى أن تستمر نشوة الحب ولو لحظات وأن تنتهي احزان الفراق كل العمر.

ممنوعة أنتِ من الحرية في هذه الحياة، فقد دُفنت روحك خلف جسدكِ الأنيق قبل أن أنظر اليكِ. أما أنت فإذا استطعت يوماً أن لا تكون بحاجة لأحد أو لشيئ فلن تحصل على الحرية لأنه هناك حتماً من يحتاج اليك.

أخي، أيها المتيّم بإنسانية قيمك والعطاء، إن كانت البشرية بحاجة اليك فعليك الشك اليوم بأولولياتك : أأولادك الذين ما زالوا تائهين في عينيك هم أولى البشر بالمعروف اليوم؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 2 ـ

في خيبتنا العربية الراهنة لم يبقى مواطن الاّ ووجد سبب واحد على الأقل ـ من أشكال أنظمتنا التي تحكمنا الى الحصار الغربي علينا ـ وراء كل هذا الركود الذي نعيشه على جميع الأصعدة. في الواقع، عندما تعرف السبب الحقيقي لمشكلة ما، لا بد لحل تلك المشكلة أن يكون بالأمر البديهي والسهل. لكنك إذا حاولت اليوم طرح حلول لأزمتنا تقع في دوامة نافذتها الوحيدة هي اليأس أو عليك بالتراجع والاستسلام. إذن، هل الأسباب التي وجدناها ليست حقيقية؟ أم ما هي أسباب ذلك الإحباط؟.

عندما تحتاج الى ساعة في بريطانيا كي تنهي معاملات شركتك الخاصة والى أشهر في سوريا، لا داعي لتأكيد هيمنة النظام. عندما تمارس التونسية شعائرها الدينية في فرنسا بحرية أكثر من تلك الحرية المسموح بها في تونس، لا داعي لتأكيد قمع النظام. عندما يلعن الفلسطيني هويته في الضفة ويفتخر بها في غزة أو العكس وعندما يكون عضوك الجنسي ـ إن كان “مطهّراً” أم لا ـ معياراً للكفاءة في لبنان… عندها لا داعي أبداً للبحث عن أسباب خيبتنا.

نستطيع أن نشبه حالتنا اليوم بمعضلة “البيضة والدجاجة” ومن سبّب الآخر؟ أهو الغربي الذي فرض علينا هذه الأنظمة؟ أم كان قمع النظام لنا كشعوب هو الذي سمح للغربي أن يتفوّق علينا بديمقراطيته التي لا تتمّيز بشي عن شريعة الغاب*؟. لحل تلك المعضلة علينا ادخال الديك في المعادلة، ومن يكون الديك يا ترى؟… إذا الديك يوماً أراد الدجاجة فلا بد أن تستجيب البيضة.

إذن، الأنظمة العربية والشعوب (الديوك) من جهة والهيمنة الغربية من جهة اخرى هما السبب الحقيقي في تفاقم الأزمة. وبات من الطبيعي اليوم أن تقع في اليأس إذا ما فكرّت بتغيير النظام أو اعادة التوازن بيننا وبين الغرب (من أين لنا … يا لحسرتنا). لكن ما تجاهلناه حتى الآن هو أنفسنا، نحن الشعوب. ففي كل الوقت الذي مضى ونحن على هذه الحال أصبح هناك تغييرات كثيرة في المعادلة خاصة في طرق تفكيرنا، في عقلانية التفكير العربي.

الظلم والقمع كالغيوم إذا غطّت سماءك ستظهرك على حقيقتك، وسيخرج منك كل ما تحتويه ويحتويك : حزنك وفرحك، غيرتك وحسدك، فقرك وغناك، ضعفك وقواك، جهلك وعلمك، حبّك وحقدك… ولم يبقى بداخلك الاّ الأمل… وهكذا أصبحنا : أرضنا مجبولة بالدماء، هواؤنا بات أحاسيس نتنفسها وتستهلكنا، سماؤنا تضيئها الأحلام وفي قلوبنا أمل أن يصبح الحلم حقيقة.

لهذا، اذا قارنا اليوم بين عقلانية العربي والغربي سنجد أن الغربي اذا ما أتته فكرة ما ويريد تحقيقها، يخبر بها من يثق به ليبحثوا معاً على طرق تحقيقها ونجاحها. أما العربي عندما يطرح فكرته تنهال عليه الأسباب والعوائق التي تمنع تحقيق الفكرة وبالتالي كعادتنا ننجح بتبرير الفشل.

أصبح لدينا موسوعة مخيفة من أنواع الأسباب وأشكال العوائق التي تحيل دون القيام بأي شيئ، لأننا لدينا حلم مشترك كبير، ولأننا ما زلنا نعتقد أن السبب الحقيقي في تأخرنا هو النظام و/أو الغرب في حين ما دام باستطاعتنا أن نفعل الكثير إن قام كل واحد منا بفكرته الصغيرة وحلمه الصغير.

تلك التغييرات التي أطاحت بتفكيرنا لن نعيها بأنفسنا، ولن نستوعب بعد ـ ربما ـ أننا جزء من السبب الذي يجب حله قبل باقي الأسباب. لأنّ لكل واحد منا كيان خاص به في تطّور مستمر، لأننا كل لحظة نتغيّر ما عدنا نذكر أن هناك غيمة سوادء غطّت سماءنا وستزول يوماً ما.

إن تلك الأفكار الصغيرة الملبدّة في عقولنا والتي لم يراها النور بعد هي العائق الأكبر، تلك الفكرة يجب ان تولد لتترك المكان أمام أفكار جديدة… فعندما تتكل الشعوب على شبابها وأجيالها الجديدة للتغيير فهذا لأنّ الشعب بحاجة لأفكار جديدة وأن تتحول تلك الافكار الى حقائق على الارض. لأن شبابنا لا ذنب لهم بما حصل هم وحدهم القادرين على التغيير وعلينا اقناعهم بأنهم أبرياء من ماضينا لا شركاء فيه

في هذا الوقت، الناجح هو من يعمل ليحوّل حلمه الصغير الى حقيقة وفكرته الصغيرة الى منتوج، باحلامنا البريئة وأفكارنا الصغيرة معاً نحقق أكبر الأحلام… ولا وقت للإنتظار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 3 ـ

عندما تكفيها نظراتها لتبرهن لي حقها في الإحباط أراني أخجل من نفسي لأنني بحاجة الى نظريات ورؤى كي أبرهن لها عن أملي اليوم بغدٍ أفضل. أصبحت مضطراً في هذه اللحظات أن أذهب الى الماضي وأعود الى ما وراء المستقبل ، أن أستجوب كل العلوم والفلسفات محاولاً تأكيد ما لا نستطيع العيش بدونه : الأمل.

حبيبتي، ربما كل هذا لا يكفي كي تثوري، كي تستأنسي بدموعك، أن تتناولي قلماً تبقى لك، أن تمزجي حبره بلوعتك وتصرخين بأعلى صوتك. أتعرفين أنني غداً سأقتل لأن الطبيعة قطعت لي موعداً مع انفجار سيارة زعيم آخر من بلدنا، أتعرفين أنني سأظهر كدولاب السيارة في وسائل الاعلام. أتعرفين أن أخي الذي يعتقد أن الشمس هي الخالق سيقتل أخاك لأنه يعتقد هو الآخر أن القمر هو الخالق. أتعرفين أن بلدنا سيحترق غداً وأن أنهاره ستفيض بالدماء… أما تريدي أن تعرفي ما ينتظرك؟ هاأنذا أصوّر لك ما قد يحصل، أوليس هذا أفظع ما يمكن أن يأتيكِ؟

عندما تسمعي أصواتهم وهم يطالبون بمحكمة كونية لمعرفة قتلة زعيمهم ولا يعرفون حتى اسم حبيبك قولي لهم ما قاله “شوبنهاور” : أنّ في هذا العالم حقيقة واحدة نعرفها هي ارادتنا الشخصية التي يشعر بها كل واحد منا، قولي لهم أننا لا نعرف حقائق الاشياء وانما صورتنا الذهنية عنها، قولي لهم أننا ـ كبشر ـ نتميّز بأننا نستطيع تجريد هذه الحقيقة واذا استطعنا فعل ذلك بلغنا الحكمة وسيتضح لنا أننا لا نعرف الشمس والشجرة وانما لنا عين ترى الشمس ويد تحس بالشجرة.

عندما ترين الناس من حولك يتكلون على الحظ ومقتنعين بأن كل واحد منا قد قسم له حظاً في هذه الدنيا، قولي لهم أنّ “نيتشه” عرف أن الشرقيين قد نسوا أن ارادتهم هي جزء من قدرهم. اذا نزلت بنا مصيبة فلا يجب ان نستسلم لها بحجة انها قسمتنا بل يجب ان نتعدّاها بارادتنا وكفاحنا هو جزء من هذا القدر.

قولي لهم أن نظرة “جبران” إلى الآتي (من وراء المستقبل رأيت الجموع ساجدة على صدر الطبيعة، متجهة نحو المشرق، منتظرة فيض نور الصباح، صباح الحقيقة) تعتمد على حقيقة كل واحد منا، على ايماننا، وعلى تصورنا الشخصي لمجتمعنا. فبأمل كل واحد منا فيروز تغني : “لكن رح نرجع، رح نرجع من حرايق، رح نرجع من شوراع هدمتها المدافع … ولبنان الحقيقي جاي، لبنان البساطة جاي تيشيل الوجوه المصبوغة والوعود المدموغة وياخدهن الشتي..”.

قولي لهم أنّ الفيزياء تؤكد أنّ هذا العالم المادي متجه الى زوال، وبأن روح الله في قلبك هي التي تؤخر الموعد. قولي لهم أنّ البيولوجيا أعطتنا صك براءة مما ورثناه عن أهلنا. لندع ماضيهم حيث هو ونعيش لحظتنا بقدرنا وارادتنا ونترك الغد لأولادنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 4 ـ

لم أعد أعرف إن كنت أنا من يكتب أم إن كنت أنا هي الكلمات…

فأنا لست بكاتبٍ ولا أفقه شيئاً بالكتابة، أنا فقط أشعر، ثم أبحث في الأحرف وطُرق جمعها المُعتمدة وغير المعتمدة بعضها ببعض لكي أجد أقرب معنى للحالة اللحظة وللأفكار التي تجول في الأنحاء. أسطر الكلمات وأُحرّكها وعندما أنتهي إن انتهيت أراني ممدداً منتشراً على الصفحة التي كانت بيضاء : ترفعني كلمات وتكسرني وترميني اخرى… وتصبح هذه الصفحات وما عليها موطني وملجأي ومسكني حتى أجدني كما لطالما أردت أن أكون : روحاً بلا جسد!

أن تحب : أن تُسلّم روحك وكل تفاصيلك للحبيب، أن تحب : أن تعرف أنك ستتعرّض لأشدّ الآلام لأنك سلّمت أعماقك وشرّعت أبوابها ونوافذها للهوى… كذا الكتابة، عندما تنتشر على الصفحات وتُعرّض نفسك للنوارس تصطاد من تفاصيلك وأنحائك ما يحلو لها.

تلازمنا الاعتبارات الإنسانية “الأنانية” مع كل قرار نتخذه وفي كل خطوة تقدم عليها. ففعل الكتابة هذا، وفي مجموع هذه الكلمات وتفاصيلها أريد بكل بساطة أن أترجم “مادياً” ـ قدر المستطاع ـ كمية من الأفكار والمشاعر التي تنتابني، فاسحاً بلفظها على الصفحات المجال لكوني مزيداً من التوسّع… حتى الإنشطار.

لا وجود للقواعد خارج الزمن والمكان، لا المكان يبقى كما هو ولا زمان إلا داخل قضبان الأجسام، فمن أين لكِ يا قواعد أن تحكمي عالم المشاعر والأرواح؟

قد تجد أحياناً كلمات قليلة تختصر الحال، وقد تصمتْ، لكنك إن أردت أن ُتشارك الخلاصة عليك أن تشرح التفاصيل، كل التفاصيل، فلا بد من معرفة حيثيات النتائج والخلاصات قبل محاولة تبنيها وتطبيقها، إذ عليك أن تشير الى الطرق والسبل التي أدت الى هذه أو تلك القاعدة.

إنك تسير في عالم يتسّع كما تشاء ويتقلّص كما يشاؤون، يصغر قدر ما تريد ويكبر كما يخططون… وتبدأ، أو ربما تنتهي بالسؤال عن حدّك وباقي الحدود، وأينك تكون في هذا العالم الفاقد للحقائق المطلقة، المليء بالفوضى والدقة في آن؟ هل وجدت الإله؟ هل ستسمح بالكذب على نفسك حُباً، خوفاً، أو طمعاً بمكافأة بعد الممات؟ أم أنك ستقول وتسأل وتشرّع لنفسك حرية البوح بما يجول في الخلجات؟

في طريقك هذا، تراك عمداً حيناً وعفوياً أحياناً واضعاً علامات ونقاط : هنا مررت سابقاً، هنا وقعت، هنا دمّرت هنا عمّرت، هنا أصبت هنا أخطأت… ها هنا وصلت، وغداً سأتابع المشوار إن استيقظت… لو أنام! وما أشبه النوم بالموت… لو أموت حتى أعرف إذا كانت هذه الحياة فترة العقاب أو إذا كان هناك بعد التنيّح من حساب!

قد تكون الخلاصة اليوم في الحب والمحبة : بأنك لن تشعر بالسعادة والراحة إلا إذا كان الحب ملازماً لكل أعمالك وأفعالك. ولكن كيف لك ذلك؟ هل تعرف كيف تحب نفسك كي تفيض كل أعمالك بالمحبة؟ كيف لك أن تحضن نفسك بذراعيك نحو صدرك، تسكنها في قلبك وتمسح بيديك على رأسها، على ظهرها. وإن صادف ونحجت في حبك لذاتك هل تعرف أن حبك هذا لن يدوم إلا اذا كرهتها بقدر ما أحببتها؟

حسناً، تعلّمت أن أحب نفسي وأن أكرهها، وكم أحببتني كلما صدقت واعتذرت وبَعْثرتني أشلاءً كمن تنيّح فعلاً وما عاد يهمه أدنى اعتبار… وكم كرهت تفسي كلما كذبت ووراء المعاني رحت واختبأت وحاولت التبرير “واللف والدوران” كلما أخطأت.

ها هنا وصلت، فابتسمت، وحقيقةً لست أدري ماذا صنعت، إن كنت هدمت شيئاً أم عمرّت، وكأن المعادلة أصبحت : “لا عمران إلا على دمار”. غداً، أو ربما بعد هذا مباشرة سأكمل المشوار، بالحب دائماً وابدا فكما خلقت من البقايا وتلملمت من على التفاصيل سأترك روحي منتشرة على صفحة من الماء لأتسلل بنور الشمس الى سمائها ثم أسقط مطراً على زرعها … وأنام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 5 ـ

في الواقع، بالإنتظار

من مخاض حملنا بهذا الواقع، على رؤوسنا، الى دوران الأرض حول نفسها دون جديد تحت شمسنا، نَعَينا حظوظنا ولطمنا الخدود حتى بتنا أشبه بنسوةٍ اغتُصبن فحملن، وما فتئن ينتظرن المولود، من قهوة الصباح مع فيروز الى دمعة الشاي مع أم كلثوم ولا يهم كثيراً ماذا يوجد في الحقول… فنحن نكتب ثم نصمت، ثم نكتب كثيراً وقد نفّكر بعدها بما تجنيه الكلمات ـ وما تتحمّله من معاني ـ في خلجات النفوس. وإن اجتمعنا يوماً على كل خيرٍ اختلفنا على اسم المحروس.

في الكلمة الفكر
والكلمة تترك أثراً أكبر وأعمق في أنفسنا مما قد يتصوّره البعض منا، ولوقعها على حواسنا مقام الفعل، لأنها حتماً ستوّلد ردة فعل وإن كانت هذه الأخيرة غير تلقائية. على كل أشكالها وألوانها، ترانا ندور حولها بكل ما قد تحمله من أفكار يظن صاحبها أو حتى متبنيها بأنها مطلقة، فيأتيه آخر ليناقشه بها فلا حول لأحد على الآخر ولا من يقتنعون.

في صراعنا الأول والأخير
نعرف جيداً حقيقة صراعنا ـ منذ الأزل ـ مع الخير والشر، ونعرف أيضاً أننا بحاجة الى توجيه دائم ـ لكبح شرّ ما فينا ـ عبر قواعد وأساليب في التصرّف والتعايش فيما بيننا البعض. ولكننا رحنا نختلف حول هذه الطرق والأساليب، من أسمائها الى أصحابها وأحياناً قد نتطرّق الى نواحيها العملية، نختلف لأن كل واحد منا يريد أن يفصّل الفكر على شاكلته (من صراع خيره مع شرّه… الى آخره) من حيث ندري أو لا ندري.

تجوب تاريخنا العريق ـ وأي تأريخ يُعوّل عليه أصلاً؟ ـ فلن تشهد إلا حقيقة واحدة هي سقوط كل الآلهة والأفكار والأنظمة الإنسانية بما فيها أعظمها، حتى الإله الواحد تراه وقد تنيّح اليوم ـ ربما ينتظر هو الآخر أن ننجبه ثانية من الواقع، في قلوبنا، كل شيء فانٍ كما أجسادنا، من والى التراب بماديته، أما الأفكار، تبقى كما الأرواح معلّقة قضيتها من سجن صاحبها الى سجانة من يحملها، فما أبهاها على الورق هنا، وما أعمقها هناك في العيون…

يتكاثر البشر، ويجيؤن بك الى عالمهم، يحمّلونك واقعهم بكل ما فيه من واقعيتهم وخيالهم، من أفكارهم الذاتية ـ إن وجدوا ـ الى كل ما حُمِّلوه أيضاً، تُحاول أن تعود الى التاريخ، فتكتشف أنك لن تكتشف شيئاً هناك، لا في كتاب تاريخ الظالم ولا في كتاب تاريخ المظلوم. لا عند المنتصر ولا لدى المهزوم. تراك من حيث لا تدري أيضاً مُوكلاً بالدفاع عمّن ولّوا في ذاك الماضي السحيق، ولا حدود للزمن المسموح والمقبول والممكن السفر إليه.

لكننا نتقدّم، أو يتقدّم الزمن فينا، أو حتى لا زمن أصلاً إلا في أوهامنا التي باتت حقيقة في مجموع الحقائق التي يُعوّل عليها فقط عندما تقضيه حاجتنا اليها. فنحن اليوم كما تعرفون منقسمون وتسطيع أن ترى أشكال الإنقسام وألونها حول أصغر الأشياء وأكبرها. ننقسم حول معارفنا ويا ليتها كانت شخصية، فمنا من يشجّع فريق المفكرين والفلاسفة ومنا من يشجّع فريق الرسل والأنبياء. أستثني لاعبي الفريقين وأتوجه الى رابطتي المشجعين، الى كل المشاهدين : ما هَمكم إن كانت الحقائق والمعارف التي تُنقل إليكم قد تلقاها المفكّر بواسطة العقل أم إن كانت وحياً تلقاها الرسول من خالقه؟ خذوا من معارف الفريقين ما شئتم بما يكفي حاجاتكم ورغباتكم، وانصتوا إن كنتم عن حقٍ بالإنسان تأبهون، إني ونفسي أراكم لا تكتفون!.

يأتيك أحدهم جازماً بأنّ من لا ماضي له فليس له حاضر ولا مستقبل، هاأنذا، وها حاضري، ها أنتم وها حاضركم، أين بدأ ماضيّ وماضيكم والى أي جيلٍ يعود؟ الى الفارابي أم الى ابن خلدون، الى سقراط أم الى أفلاطون، الى آدم أم الى حواء أم الى نوح أم الى سام أم الى ابراهيم ام الى يعقوب أم الى المسيح أم الى محمد أم الى علي ام الى عُمر أم الى من أم الى من أم الى على… أوليس كذلك راحو يؤرّخون، عن أحدهم عن أحدهم عن أحدهم عن ثقة عن أكيد عن لا ادري عن والله أعلم عن عملت ما بوسعي… ها نحن وها حاضرنا. ترانا نُسلب من حقوقنا ما لا يبقى لدينا شيء ولا نُحرّك ساكناً إلا متى حاول أحدهم أن يقترب من أفكارنا ومعتقداتنا، أوليس هذا كافياً لنعي ضعفنا وكذبنا وغشنا ولفّنا ودوراننا وأيضاً فراغ أفكارنا ومصطلحاتنا والمعاني في كلماتنا؟.

في غداً
ستصدر الصحف غداً أيضاً، وفيها هي الاخرى أخبار ووقائع على غبار الكلمات، قد تُشمل أنت في مجموعة من أقسام البشر بحركةٍ على بقايا أحرفٍ، وقد تكون أنت الموضوع، ومن الوارد جداً نسيانك وإن كنت قد مررت ببال الكاتب ستمنعه المساحة المتوفرة على الصفحة لأنها محددة بعدد معيّن من الكلمات فإن لم يكتب عنك بالغد فسيكتب عنك بعد غد، “لا تعتل أي هم” فقط تابع وانتظر!. أما أنا، أعدك ـ متى بقيت معي، سأكتب عنك وعني كلما كتبت!.

منذ الوقت الى عصر المعلومات وتناقلها، ونحن ننتظر أن يأتينا واقع مختلف عما نحن عليه. وإن كانت اليوم كمية المعارف والحقائق قد تضاعفت فالفراغ الناتج عن تناقلها هكذا، من على الورق الى الورق أو بشتى الوسائل المتاحة للنقل والبث والدس والعث في المعلومات أعاد بنا الى أقدم العصور، الى الأصل، حيث نبقى هذا الكائن الذي يبحث عن السبب الأول، وفي طريقه يترك اثراً بأنه يوماً ما مرّ من هنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 6 ـ

يتّصف كل عصر من العصور بنقلة نوعية وتغيير “جذري” في شكل ومضمون الأساليب والأمكانيات المتاحة أمام الإنسان لإدارة علاقته ـ في ظاهرها وباطنها ـ بكل الموجودات المرسخة تحت تصرّفه. على سبيل المثال عندما راح الإنسان يستعمل الحجارة ليصنع أدواته سُميت تلك المرحلة بالعصر الحجري على امتداده، ومع التطور الكبير في الفنون والآداب والعلوم وطرق التعبير وما صاحب ذلك من تغيّر في الأسس الأجتماعية والإقتصادية والسياسية… هذه النقلة وُصفت بعصر النهضة في أوروبا (الإنتقال من العصور الوسطى الى الحديثة)… أما اليوم، إذ أصبح بإمكانية الجميع التشارك ونقل المعلومات لا بد من اطلاق مرحلة جديدة تعيشها البشرية سأطلق عليها ” عصر تهافت المعلومات وسهولة تناقلها”.

بطبيعة الحال، ليس الهدف من هذا الموضوع إيجاد صفة للعصر الذي نعيش فيه، وإنما للدلالة على حدوث تغيير راديكالي في الطرق والأمكانات التي أصبحت متاحة اليوم للبشر ومحاولة إيجاد طرق للتعامل مع هذه التغيرات بما تقتضيه من استدراك في أمورها.

إذا أردنا بداية أن نُشرّح تصرفات البشر، نستطيع أن نقول بأنها عملية التحام بين المعارف الموجودة في أذهنتنا من جهة والمعلومات الجديدة التي نجدها او نتلقاها من جهة اخرى حيث توّلد هذه العملية معارف جديدة، تنعكس بالتالي هذه الأخيرة الى ردات فعل وتصرفات على الأرض تبعاً للمعرفة التي وصلنا إليها. أما المعارف الموجودة مسبقّاً في أذهنتنا تنقسم الى شقين : الأول يتكوّن من المعلومات والإكتشافات التي نُقلت إلينا عن الأوائل على مر العصور وأصبحنا نتفق عليها كدوران الأرض حول نفسها الى كيفية التكاثر فيما بيننا، والقسم الثاني هو عبارة عن تصوّر شخصي لهذا العالم، هو تصوّر ونظرة كل واحد منا بما يملكه من عقل وبما “تحوّشه” حواسه في هذا العالم وكيف يرى المحسوسات من حوله، أصلها وفصلها، ذهابها وإيابها…

بالتالي، عند كل تفاعل بين ما يوجد لدى كل واحد منا من معارف مع اي معلومة جديدة سيكون شكل تصرّفنا على نسق ذلك التفاعل، ومن هنا أهمية الوقوف مطولاً عند المعلومات التي نتلقاها قبل أن تتمكن منا ومن معارفنا، فإذا كان من الصعب التعرّض للمعارف الراسخة في أذهنتنا ـ بغض النظر عن صحتها ـ ما زال أمامنا إمكانية استجواب المعلومات الجديدة.

إشارات العصر الجديد
نعرف جيداً كيف نُقل إلينا الماضي ونعرف أيضاً ما تسببته طرق نقل المعلومات وما زالت. أعتبر على سبيل المثال ملاحظات “ابن خلدون” في فضل علم التاريخ وفن التأريخ وكيف أن المؤرخين نوعان : قلة لا يتجاوزن عدد الأنامل استوعبوا الأخبار وفهموها وأودعوها في مؤلفاتهم، وكثرة راحوا وخلطوا الوقائع بالدسائس من الأخبار الباطلة. تعرّض ابن خلدون لهذه المسألة منذ اكثر من ستمئة عام وكان يتوجه بشكل خاص الى المؤرخين، أما اليوم أين هم المؤرخون؟

أكاد أصف كل شخص اليوم بالمؤرخ لأن باستطاعته تدوين الوقائع والأحداث ونقلها عبر كل الوسائل المتاحة في هذا الصدد، كل واحد منا، يؤّرخ ويتلقى وينقل الوقائع والأحداث على هواه، حيث تجد لذات الحادثة قصصاً على عدد سكان الكرة الأرضية، ومن بعدها تتشارك كل مجموعة القصة التي تناسبها. أين المعلومة الصحيحة؟

حسناً، هذا الإنتشار في المعلومات على كل هذه المعمورة دفعة واحدة أحدث من ناحية إلغاء للتأريخ التقليدي ومن ناحية ثانية غيّر شكل الصراعات بين الحضارات التي كانت بالأمس تحصل جراء اصطدام حضارتين أما اليوم فما عاد هناك حدود للصراع حيث أصبح يضم كل الحضارات بعضها ببعض وبالتالي تتصادم كل المعارف والمعلومات المنتشرة… وهاتي يا تصرّفات ما عندكِ!.

بالعودة لصلب الموضوع، أرى أن المعادلة بسيطة جداً : “فكلما كانت معلوماتنا موحّدة كلما نتج عنها تصرفات مشابهة وبالتالي تقارب في الفكر وإجتماع أكثر بين الأفراد والعكس صحيح”. فالبرغم من الإختلافات الموجودة “أصلاً” بالمعارف ـ الحقيقية منها والخيالية/الوهمية ـ التي تُدير كل واحد منا يبقى الإنسان هذا الكائن المُهيأ دائماً للتغيير مع كل شهيق وزفير يقوم بهما وما زال يعيش على ذات الكوكب وإن كان الزمن يمر به مستديراً أو مستقيماً فهذا الحال على الجميع مشترك.

يتوجب علينا أن نسأل عن صحة هذا الكم الهائل من التهافت المعلوماتي في أنحائنا وعن دقتها وشكلها وعن ماذا سننقل وكيف سننقل كل هذا للأجيال القادمة. المعلومات تزداد والفراغ يتضاعف معها ويتلاشى هناك على أرصفة المعارف… والأفعال.

هنا سأنقل لكم أهم الملاحظات التي جاء بها ابن خلدون من خلال بحثه وتحقيقه حول التأريخ والتي بطبيعة الحال ما زالت تنطبق بأكملها على واقعنا ويكون التغيير البسيط في استبدال المؤرخ بكل واحد منا اليوم :

    الثقة بالناقلين : حيث تنقل الأخبار بدافع الثقة بالناقل دون تمحيص أو نقد.
    التعرّض للأخبار التي تعارض فكر الناقل : فإذا كانت المعلومة تناسب المذهب الذي يؤيده الشخص أو ينتمي إليه يقبل بها وإن كانت عكس ذلك تراه يذهب الى نقدها.
    عدم معرفة الناقل بالمعنى والقصد بما يعاينه وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه.
    نقل الأخبار بقصد التقرّب من أصحاب المراتب والجاه والنفوذ.
    المبالغة في النقل وخاصة في الإحصاءات
    نقل الحوادث دون علم بطبيعة الأحوال، بمعنى أن لكل فعل لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته.

هذه الأخطاء كانت وما زالت تحصل، أما ما أريده من سردها هنا هو الحاجة الى التذكير بها من ناحية وتحويلها الى وصايا لكل واحد منا في تعامله مع الواقع كي لا تضيع الحقائق أكثر مما هي ضائعة.

بعض الأمثلة من الواقع
هناك عبارات تتكرر في نقل الأخبار : “مصدر رفيع المستوى”، “مصدر مسؤول”، “مصدر رفض الكشف عن اسمه” هذه المصادر، او بالأحرى الأخبار المنقولة عن هذه المصارد لا يعوّل عليها حتى لو حصل وكان بعضها صحيح.
أما فيما يخص معرفة آراء وانتماءات الأشخاص فتكاد تستدل اليوم بمقولة :”قُل لي ماذا تنقل أقول لك من أنت”.
وأترككم مع يومياتنا، مع طبيعة المعلومات التي نتداولها ونستهلكها كتناولنا للهواء الذي أصبح هو الآخر ملوثاً كما أذهنتنا

أعتقد أنه وسّعنا بما فيه الكفاية في موضوع نقل الأخبار، وبأن الجميع بات اليوم متورطاً في العملية ولذلك على كل واحد منا إن كان في موقع المُتلقي أو الناقل أن يتنبه للأخطاء التي تقع في كلتا الحالتين للتخفيف قدر الإمكان من الضرر الحاصل في الحقائق.

… ثم تقف قليلاً، وتُشبه الموضوع بهؤلاء الذين تنبهّوا لكمية اللون الأخضر الذي سنتركه لأبنائنا، وللذين يفكّرون بكمية الدَين العام الذي تُخلّفه الحكومات للأجيال القادمة… وبأنك تعود الى الإشكالية المشتركة لكل هذه المواضيع عندما تسأل عن منفعة العمل الفردي وضرورة العمل الجماعي ومن أين تبدأ.

في هذا العصر، في هذا كله، إن كان بعد من ضرورة للإجتماع اليوم ـ بعد ما أتت به هذه وتلك المجتمعات ـ عليك أن تسأل نفسك : مع من تجتمع وعلى من؟ على ماذا ولماذا تجتمع؟ والى متى تجتمع؟ وضمن أي حدود : عائلية، قروية، مدنية، فيدرالية، وطنية، قومية، أممية، عالمية، درب تبانية، كونية، مادية، روحية، معنوية، واقعية، خيالية… أو بطاطا مقلية؟؟

يتأرجح العالم اليوم بين اتجاهين يُنذر بهما عصرنا الحالي : إما بإتجاه قيادة عالمية وسلطة واحدة يعود إليها الإلتزام بالنظام الواحد وإما بإتجاه فوضى وجودية بحيث يصبح لكل بشري نظامه الخاص.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 7 ـ

قد يصلح التفاؤل والأمل كعنوان لهذه الحلقة الجديدة من محاولاتي بتلخيص المشاهد والأحداث التي تقع على مرمى شعور من حواسي ولكن، لنسبية شعوري والإحساس أراني أفضّل التساؤل على التوكيد وأكتفي كما كل مرة بعنوان محايد ” شو بيعرفني”. ما أدراني، لو أدري لما كتبت!

هدوءٌ ملحوظ ونسبيّ هو الآخر ينتشر على خريطة الوطن الصغير، عبر مصالحات ومصارحات كأنه الكذب، كأن صلصلة البندورة التي يحتسونها من ذات الطبق هي نفسها تلك الدماء التي سقطت من على الطرقات الى أطباقهم. أنت تعرف كل هذا ولكنك تتموضع لأنك تعرف معنى السلام والسماح أكثر منهم، وقد تقول في خاطرك كما كل مرة : “لربما”.

قد تدرك، وتدرك أن الأمر كله ليس بين يديك، وقد يتمنى، ويتمنى كل واحد منا التوصل الى كل هذه المصالحات وأكثر، ولكن أما بات عليك أن تسأل نفسك عما تعلّمته في كل هذا؟ والذبابة إني لأرها أعقل.

ولتأقلم جينات أجيالنا عبر عقود من المصائب والخفايا التي أتت بعد كل فترة من الهدوء النسبي أسمع اليوم أبناء قومي منهمكين بالأحاديث عن الحرب القادمة كما راح يعرض حيثياتها الدجالون اللذين يتنبؤن الماضي عبر ذكريات الأبرياء الحاضرة منها وغير الحاصلة.

هذه الحرب، الدائمة، اللامتناهية، بكل المعارك التي توالت هنا وهناك، متى طلب منا أحد رأينا حول موقعها ومدتها وتوقيتها وكمية الدماء والأرواح والدمار الضرورية لطلب الهدنة؟ إن حان وقتها الآن أو لم يحن بعد، ما الذي نقدر عليه نحن غير الدم والدموع؟ وماذا يقدّم في الحروب أصلاً كي نتحضّر لها؟ لما الإنشغال بها هنا السؤال؟

ثم تسافر عبر شاشتك فوق الخرائط الوهمية للدول وأشباه الدول، لتشمل الأمة العربية جمعاء، فتسمع أصواتاً تنادي بأهمية الثقافة والمزيد من الوعي عبر المثابرة على القراءة والكتاب، لمعرفة أوسع وأشمل بكل هذا الكون الذي يختزله احتمال الضمير وإكتمال الحياء على شاطئ غزة. تسمع تلك الاصوات، فترى الجواب بفورة أدبية تشبه الأمل، لأن الكلمة هي ذلك الشعور الحلم الذي يبحث في مسمات اللغة عن مخرج جديد من الخيال الى الواقع، من الحلم الى الحقيقة.

الى الكوكب، بإحتباس حرارته وبغضب أرضه ومياهه و”سَمَاه” وتلك الحلقة المفرغة التي أوقع اقتصادنا بيئتنا فيها، لنعود الى الوراء وقبل البحث عن طرق إقتصادية جديدة بات البحث عن طرق الإرتزاق الأسلم أولى، وهاتي يا نفسُ ما تحتاجين اليه للبقاء كي أؤمن لك إياه، ولا تسلني عن الطريق، كل الطرق تؤدي الى الفناء! الى من الولاء إذن، إن لم يك للبقاء؟

وإن كنا نحن الحلم؟
ولتأخذ كل الوقت، لو احتجنا عمرنا كله، فليكن، طالما هذا العالم بأسره ما خرج علينا وما دخلنا إليه إلا بأحلام من سبقونا عليه، فلنتصوره ونحلم به بكلمة حب، بقصيدة شعر، بقبلة، بفعل صغير بحجمي أمام كل هذه الأحجام، بورقة لا أرميها في الشارع حتى لو لم أجد بالقرب مني سلة أو مكب للأوساخ، بكلمة حق في موقف ظلم يجب أن تقال، وبأدب ومحبة كي أطمئن عندما أضع يميني على قلبي ويدي اليسرى تحت رأسي وأنام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ 8 ـ

سأحدّثكم اليوم عن المرة الاولى التي قررت فيها الثورة على كل شيئ من أجل كل شيئ. أذكر أدّق التفاصيل، أذكر أني استيقظت من شبه نومي على صوت الهاتف برسالة تلقيتها من صديقتي تقول لي فيها : ” يلعن… إذا ما بفيّقك بكرا ع الساعة 5 ما بيكون اسمي شو اسمي، بون نوي هيوس”. ففي تلك الليلة من شتاء العام ألفين وثمانية كنت في فرنسا وكان سوق الحقائب في لبنان يشهد ازدهاراً في شتى المجالات : حقائب شاغرة، حقائب شباب ينتظرهم المطار، حقائب متفجرات لا نعرف أصحابها، حقائب بيانات في وسائل الإعلام، حقائب أمنيات بيضاء كالثلج يغطي حقيقة النيّات، حقائب مسؤوليات تسقط من الأفواه في النسيان، حقائب حقوق من الشرق على الغرب، من الغرب الى الشرق… من الى وعلى كل الاتجاهات،… حينها، وضبّت حقيبتي وقررت العودة الى لبنان.

استقبلتني أمي بدموعها الطاهرة متفاجأة بي لأنه لم يتسنى لي الوقت كي اخبرها، كنت على عجلة من أمري وأريد أن أفعل شيئاً ما وبسرعة. ظننت للوهلة الاولى أن دموع أمي كانت تعني شوقها وفرحها بلقائي كعادتها حتى لمست حزنها لأنها تمنّت لو سمعت مني غير مقال في هكذا مقام. حاولت أن أشرح لها ما جاء بي… ورحت أبحث عن حقيقة الأخبار ـ التي كنت تصلني في الغربة عن بلدي وشعبي ـ في أصوات الناس وحالاتهم حولي. كانت اصواتهم متشابه تردد نفس المعاني على مسمعي والتساؤلات :”ما الذي أتى بك؟ كم من الوقت ستبقى؟ هل حصلت على الجنسية الفرنسية؟…”.

لم أستطع أن أخبرهم في أول لقاء بأنني قررت البقاء نهائياً في لبنان لأن عدد الأصوات التي أخذت تنصحني بالعودة السريعة حيثما كنت كان هائلاً. أثملتني تساؤلاتهم أجوبي عليهم وضحكاتنا رمتني في صداع يرافقه شك مقلق : أجنون هذا؟!.

التقيت مجدداً مع أصدقائي والرفاق، رحت أبحث عن صوت أتكأ عليه كي اخبره عن خططي، اضرابي عن الطعام، اعتصامي في الساحات، أخبرهم أني عدت كي نفعل معاً شيئاً ما. لا أعلم أين رحت بإرادتي، ولا كيف هبطت عزيمتي ولا أين ذهبت ثقتي بنفسي. كنت أبحث عن صوت واحد من الأصوات التي كنت أحسن بها وأردت العودة الى صارخها لاشاركه الوجع.

فشلت في المرّة الاولى، اليوم التالي فشلَ رفيق غيري في ثورته الاولى… كل يوم فشلٌ جديد ومحاول جديد… وحقيبة قديمة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: