سلمى : رواية

(1)

عندما تسألها للتعريف عن نفسها، تقول لك : أنا فتاة عادية، لا أدري حتى الآن ماذا أريد.  سلمى فتاة لبنانية خجولة جداً وتعرف مصدر خجلها فتقول : لأنني لا أملك وجهاً جميلاً كالذي يحلم به أغلب الشباب ما كنت الفت نظرهم، فمنذ الصغر ـ تتابع سلمى ـ رحت أسكب وجهي في الأرض  وألونه بالأحمر ليخفي ولو القليل من شتاء عيونهم التي تمطر بَرداً في أنحائي.

فهي ما زالت تذكر نظرات الشبان يبحثون في جسدها عن حقيقة أحلامهم، حيث كانوا يستيقظون والعشب  ينبت عليهم بين الليل والنهار. كانت تحاول الإقتراب منهم لتراقب علامات الشباب على جبينهم، ومن بعدهم عنها فاتتها حتى تلك اللحظة التي خشنت فيها اصواتهم، حيث أصبحت تخاف من صلابة أصواتهم التي تحولت بعيداً عن أذنيها.

نشأت سلمى وحيدة في قرية صغيرة تدعى صربا في اقليم التفاح جنوب لبنان، حيث توفيت والدتها وهي لم تكمل السابعة من عمرها. لم يكن أمام والدها الا أن يكلّف جدتها برعايتها وتربيتها. والد سلمى كان يعمل في احدى مصانع بيروت ولا يعود الى صربا الا ليلاً. مع كل دقيقة كانت تمضيها سلمى في مدرستها  بعيدة عن زملائها كان يزداد انسكاب خجلها عليها، حتى مع جدتها لم تجد ذلك الشي الغريب الذي تبحث عنه بين وسادتها وسقف غرفتها الصغيرة. بحيث كانت أجوبة جدتها بعيدة عن أسئلتها بعد العمر الذي يفصل بينهما.

أكملت سلمى دراستها المتوسطة بتفوق فتقول : نتيجتي لم تك الا شيئاً بديهياً لتعلّقي بالكتاب  الذي لم أجد يوماً أحدا  أقرب لي منه. حينها قرر والدها أن يسكن في بيروت لكي يكون قريباً من ابنته أكثر وليجد لها مدرسة تعتني بقدراتها.

ظنت سلمى أنها في بيروت قد تجد ما تبحث عنه، فكانت تقول في نفسها بتحليل بسيط كانت تعلمته في الرياضيات، أنه كلما تضاعفت الأعداد كلما تضاعفت معها الفرص والحظوظ.

وكانت الصدمة الكبيرة عندما جاءت نتيجة تحليلها بعكس توقعاتها الحسابية. رأتها وجدت كل الاشكال الهندسية البشرية  وما تحتوي عليه تتضاعف، عيونهم راحت تسمّر بشرتها أكثر من الشمس، أصواتهم تختزل أذنيها لتدخل مع اصوات السيارات عبر مسامات جلدها… ورأسها يتابع طريقه نحو الأرض.

لم يتغيّر اي شيئ مع سلمى، حتى الرياضيات لم تتغير، الأعداد تتضاعف، والفرص تتضاعف وتضيع بين الأعداد، حتى خجلها تضاعف… وها هي تنهي دراستها الثانوية بتفوق اكثر.

والدها المسكين، تراه سعيداً بابنته كان يعمل وهمّه الوحيد نجاح سلمى…لم يعد لبنان كلّه كافياً لتفوّق سلمى في مدرستها…

… وكان القرار، سلمى تذهب الى فرنسا لتكمل دراستها الجامعية في البيولوجيا، اختيار سلمى للبيولوجيا أتى أيضاً كما تقول بعفوية عذارء، رأت جسدها قد تغيّر وتضاعفت الأشكال هي ايضاً عليه، كل ما كانت تبحث عنه كالسراب يمتد من عينيها الى الأرض التي تمشي عليها.

تتوالى الصدمات مع سلمى، فأول ما شمّ منها الهواء في المهجر أحسّت بنار تخرج من عينيها دموعاً. لتتراكم مع دموعها الاشياء التي تبحث عنها… وتسأل نفسها من أين تبدأ؟ عن من تبدأ البحث؟ عن الحبيب؟ عن أمها؟ عن وطنها؟… عن نفسها؟؟

(2)

ما عاد همّ سلمى في فرنسا البحث فقط عن نسبتها الطبيعية من الأشياء ومحتوياتها، ففي غربتها تقول : “وطني كان يمتد من كتابي الى تجاعيد وجه جدتي، وهنا ـ في المغترب ـ حملت  الكتاب معي ولكن وطني كبر في عينيي بعد المسافات التي فرقتني عن جدتي”… لتزداد الدوائر حجماً وعدداً في أفقها الممتد هو الآخر بين عينيها ومرآتها التي كسرتها. راحت الأيام تخترقها، فمع شروق الشمس كانت تخرج من دوائرها بضحكتها التي صنعتها لتخفي ضياعها حزنها والمها؛  في الليل، في عتم الليل تعود لتسبح في مستنقعاتها، في وحل يديها التي تقترب من جسدها، لتلمس وجهها بأطراف اصابعها، تبحث عن وجهها الضائع في عيونهم.

يأتيها سقراط في عتم احدى الليالي قائلاً : “اعرف نفسك”، ومن أين لها أن تجد نفسها لتتعرف عليها، لتحبها كما كرهتها دوماً. فهي لا تحب الفلسفة، تعشق الأرقام والعلوم الجامدة كقلبها الذي أدمن على الدقات السريعة لتتصلّب عضلاته من الخارج ويبقى رضيعاً لا يرى الا الأبيض والأسود من داخله. حتى خالقها الذي كانت جدتها قد أخبرتها عنه تركته هناك في صربا يتفنن في انحدارات التجاعيد على أطراف جدتها، تركت خالقها في المياه الصفراء القاتمة التي كانت تخرج من جسد والدها وهو يعمل ليؤمن كل ما قد تحتاج اليه ابنته الوحيدة التي لم تتجرأ يوماً بالبوح عما تحتاجه.

كانت تعرف أن الطريق الوحيد الذي يجب أن تسلكه كبداية هو ذاتها، ولكنها لم تخرج يوماً من ذاتها لتدخل اليها. كان عليها ان تبعثر أشياءها الممزوجة بالحزن والكراهية، علّها تجدها بين يديها على صورة أفضل من تلك الشظايا المنكسرة التي تركتها  على مرآتها… هنا راحت تضع قلبها، هناك أخذت تشد شعرها، على وجهها تركت بقع حمراء تتدلى منها اصابع يديها التي كانت قد غرزتها بحثاً عن نبع دموعها التي تريد ان تغيّر مساره نحو الداخل ليروي عطشها وليجف التراب الموحل تحت قدميها.

وتنام سلمى لتستيقظ على حالها كما تركتها مساء أمس، تسرّح نظرها من نافذة غرفتها الصغيرة، صوت فيروز يلتهمها حنيناً والشمس تختزل الغرفة وتأخذ بعيون  سلمى الى الحاسوب، الى شاشة، الى صفحة بيضاء. لا زال وجع رأسها  ـ عندما أخذت ليل أمس بشّد شعرها الأسود الطويل ـ يذكرها بمحاولتها الفاشلة للتعرف على نفسها…

يرافق قول سقراط سلمى الى المختبر حيث تعمل في جامعتها، لتسرقها مكنات المختبر الى خلايا الانسان مما هو مركب، كيف يعمل، الى أي طريق تذهب السوائل في خلاياه وأعضائه، وأين يذهب الهواء الذي يدخل، ماذا يفعل وكيف يخرج… لكل هذه الاسئلة كانت المكنات والأرقام تعطي لسلمى أجوبة رياضية مقنعة بالأرقام بالصور والأصوات.

كما المكنات كانت أقرب لها من البشر، اكتملت فكرتها وما بقي أمامها الا التجربة.

لا تحب سلمى الكتابة، كانت تفضل دائماً القراءة، لكنها ايضاً كانت تتعرف وتكتشف عبر القراءة على كل الأشياء. وهكذا بدأت محاولتها بتجديل أحرف لغتها العربية على شاشة الحاسوب. لتعود وتقرآها، فتجد نفسها على الشاشة بصورة اوضح… بشكل منطقي جداً كما تقول : ” وجدتني المس بقايي ـ التي دفنتها عيونهم في رغباتهم ـ على الصفحة البيضاء التي لونت عليها أحرفي بانوثتي التي تذكرني بها عذريتي لاتابع في محاولتي تلك”.

ما كانت سلمى بحاجة الى موهبة الكتابة لكي تظهر جملها منمقة، لقد اكتفت بصراحتها مع نفسها التي سلّمتها لاصابع يديها تطرّز الأبجدية على الصفحات. بطبيعة الحال، ما كانت تملكه من معلومات عن جسد المرأة ـ بما تعلمته وتتعلّمه في دراستها ـ راحت تضيفه على صفحاتها لتعرف  عن نفسها  كما لو بدأت حياتها  من رحم أمها عن جديد مع اول كلمة على صفحتها، مع العنوان : “سلمى”.

كان عصر السرعة الذي تعيشه سلمى، بحيث أخدت المكنة تحتل جزءا كبيراً في حياة البشر، وكانت “الإنترنت” تطوراً تكنولوجيا باهراً، حيث أمنّت وسيلة للتواصل بين البشر  مختزلة كل المسافات وكل الحدود، لتصبح شاشات الحواسيب مرايا بثلاثة أبعاد: نرى أنفسنا عبرها، نرى من في الجهة المقابلة، ونرى أيضاً بعداً ثالثاً يجمع بين اوهامنا وحقيقتنا.

ها هي سلمى، بدأت تعرف نفسها، وأخذت تدخل في دائرة وطنها عبر كلمات أبناء بلدها التي تمر عبر الشاشات. لكن الفراغ الذي يملئ قلبها كان قاسياً جداً  ليرميها  من دون وعييها في الانتقام. تراها وقعت بين مكنات لتنفذ مهمة بدأت في ملامح صورتها على المرآة ـ التي تذكرها بعيونهم ـ وفي أطراف ذاتها التي تلتقطها على الصفحات وبين الجُمل.

(3)

علاقتها بفادي لم تنتهي بعد، فهما ما زالا يتحادثان كل أسبوع ولكنها لا تعرف نوع تلك العلاقة التي تربطهما، لا مداها ولا حدودها، فالحاسوب ما زال يفصل بينهما.

فادي شاب لبناني يكبر سلمى بسنتين، وكان أول شاب تتعرف عليه سلمى على شبكة الانترنت.

لم تك سلمى هي التي اصطادت عنوان فادي الالكتروني. ففادي يعمل ممرضاً في احدى مستشفيات بيروت، لكنه كالكثير من الشباب يريد أن يسافر بعيداً عن لبنان نظرا للاوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها اللبنانيون. طبعاً فكرة السفر معلقة دائماً في سقف غرفته ولكنها ليست بالأمر السهل.

يتبادل الشباب في لبنان أفكار وطرق السفر في جلساتهم، فمن تلك الطرق المطروحة على طاولاتهم كانت فكرة الزواج من فتاة أجنبية لتلقحه جواز سفر وتحمله بعيداً عن يأسه اللبناني. كان فادي قد وضّب الدول التي يريد السفر اليها وفرنسا كانت اولى تلك المناطق التي يفضل الهجرة اليها لأنه يتكلّم اللغة الفرنسية.

كان فادي على اتصال دائم مع أصحابه في فرنسا، يسألهم عم محاولات “للنفاذ بريشه”. يقول فادي : “أريد فقط شيئاً واحدا وهو السفر بأي طريقة  والى أي بلد كان”، وهكذا بدأ فادي يتصفح المنتديات للحصول على عنوانين وهمية والتعرّف اذا كان حظه خلف تركيبة العنوان الالكتروني الذي يحصل عليه.

وصل به الأمر لزيارة المواقع المختصة ـ والغير مجانية ـ  بالتعارف واقامة العلاقات، لكنه لم يتعرف على سلمى الا بالصدفة مع كثير من الجرأة. كان يتلقى على عنوانه العديد من الرسائل الالكترونية كل يوم، رسائل تصله من اشخاص يعرفهم  واخرى  تحتوي على دعايات لحبوب الفياغرا تساعد الذكور على التفوق وربما على مضاعفة أعداد البشر هذا اذا كان حظهم وفيرا ولم تصلهم رسائل اخرى تدع  لاستعمال الواقي الذكري للحد من الانجاب!.

في احدى الأيام تصل رسالة الى فادي من صديقه في فرنسا يُعلم فيها كل من يعرفهم أنه سيعود الى لبنان. كان الملل في هذا اليوم وقد طوّق فادي من كل الانحاء لتقع عيناه على مجموعة العناوين التي أرسل اليها صديقه نفس الرسالة، أخذ فادي يتفقّد باحثاً عن عنوان قد يخفي وراء معناه جواز سفر فرنسي.

لم يعرف فادي وراء أي عنوان قد يكون قدره الذي يعجنه بين أصبابع يديه، وليعزز حظوظه راح به مضيفاً لمجموع العنوانين التي ظهرت في تلك الرسالة الى قائمة عنوانيه.  عنوان سلمى كان بين تلك العنوانين، لا ليس بالأمر الغريب، سلمى لا تعرف صديق فادي، ولكن اللبنانيين لا تغلبهم مساعدة اخوتهم في الغربة، يبحثون عن بعضهم البعض، حتى تراهم يتنافسون فيما بينهم من سيعطي اكثر، وأي جمعية لبنانية ستنجح، يحتارون كيف ومتى سيبتكرون جمعية لبنانية جديدة لنفس الأهداف السامية التي تظهر في كل ميثاق!.

فادي ما زال ينتظر في لبنان وسلمى في فرنسا تنتظره “تيطلع اون لاين” لأنها تريد أن تخبره عن عمل “شرير” قامت به، فهي هكذا تصف اعمالها “بالشريرة” لأنها تعرف  وتعي جيداً ما تقوم به.

(4)

عندما تراها لن يخطر على بالك أبداً ما قد تخفيه تلك الفتاة وراء خجلها، سلمى تبدو طبيعية جداً في عملها ومع أصحابها، لا تتكلم الكثير كباقي الفتيات،  فجدران منزل جدتها كانت تشتاق لحركات شفتي سلمى، علّ تلك الحركات تخترق المكان لتفصل بين الغبرة والصمت. لكنك إذا عرفتها، قابلتها، سمعتها  وأبحرت في عينيها سينشطر قلبك الى نصفين : نصفاً لتحتويها ونصفاً آخراً لتحتويك، تطوّقك، تهدمك ثم ترميك عارياً لا يغطي جسدك الا دموعك والتي قد تحتاج لنجم أكبر من الشمس لتتبخّر عنك تلك الدموع.

مظلومة هي سلمى، فما من أحد يستطيع أن يبرّر قلّة نصيبها منذ ولادتها. لكنها تحب الحياة فتقول : “أنا هنا الآن، أريد البقاء لكنني أيضاً أريد أن أفهم ما يجري لي، معي، ومن حولي، حسناً، وجدت وحيدة ـ تتابع سلمى ـ  لكن كل ما في هذه الحياة على كل أشكاله لا أستطيع أن أحتويه وحدي، ولا أعتقد أنّ كل شيئ هنا وُجد ليكون لي وحدي، أحتاج أن أتقاسم مع أحدهم  كل ما التقطه وتلقتطه حواسي وتختزنه في جوفي … وكلهم رأيتهم يبتعدون عنّي”.

راحت سلمى لتحاول بإنسانها أن تبحث عن العدل في ظلمها هذا وظلمتها تلك، لا تعرف من أين كان يأتيها ايمانها بالبقاء، ايمان امرأة قالوا بها :  أنّ ريحا رمتها في أرض رجل،  لتنبت من أضلاعه، تفتّح وردة يأخذها الهواء بعيداً، ليعود ثانية نفس الهواء  حاملاً معه  نفس الوردة وقد أزهرت، يتعرف عليها الرجل من رائحتها،  يشمها في كل أنحائه لتحن اليه، يرسمها في عينيه لتراه من خلالهما، يحضنها ويعيدها الى اضلاعه… ليجتمعا كياناً واحداً ما كان ليتجزأ لولا الهواء.

من هنا بدأت، الى أصغر الأشياء ودّت برحالها، سلمى تابعت نشر اسئلتها على حبال أيامها : “أهو الخالق الذي قصّر بأمدادي الجمال الذي يبحث عنه الرجال؟ أم هو أنين أمي الذي نشأت بين أحضانه؟ ـ تستدرك أنفاسها وهي تقول ـ  ما كانت أمي تبكي من وجع مرضها، بل وكأنها كانت خائفة على ابنتها الوحيدة وما سيحل بها”. تسأل وتسأل الى البكاء حيث تقول :”إن جئت لأكون عبئاً على البشرية، فمن ذا الذي اتى بي ولماذا صورتي في قلبي دموع وفي عيونهم لحم طري… ـ مع دمعتها على خديها ـ أرضى أن أكون دمعة في عيوني، لكنني لا أقبل ان اكون شيئاً آخر غير سلمى، كل سلمى، في عيونهم.

لم تجد سلمى أجوبة مباشرة على كل اسئلتها، لكنها في بحثها وفي اصرارها على البقاء وصلت الى مكان ما على هيئة ما، وكيف لها أن تتوقف الآن بعد كل التعب الذي عايشته؟.

جاءت سلمى لتكون تجربة حقيقية للاقوال، فتراها اليوم وقد اشتدت ولتتأقلم مع محيطها راحت وقد سوّرت نفسها بكل شوائبهم حتى إذا ما ظهرت عليهم تحمي بحصنها سلمى التي تركتها هناك في صربا مع جدتها تقص عليها الحكايات. لأن جدتها أخبرتها يوماً أنها مهما فعلت، اينما ذهبت… ستعود حتماً الى أصلها.

(5)

ها هو المساء قد أحاط به الصباح وفادي لم يأت بعد، لكن سلمى كانت قد تعرفت على الكثير من الأشخاص على شبكة الانترنت، منهم من ذهبت اليه بنفسها ومنهم من أتى اليها بعنوانه. تتحادث اليهم، يتبادلون ويتشاركون كل بما لديه وبما يملك من أشياء قصص وروايات. يضحكون، يمضون الوقت  حدّ الرقص يصلون… وعقارب الساعة تمتد في عروقهم ادمان.

كان في الوهيمة التي تحيك العلاقات الناشئة على الانترنت فرصة كبيرة كي تخفي سلمى قدر ما تشاء من خجلها، فلا عيون هنا ولا آذان… إنها الكلمات، فقط الكلمات. فتلك الوسيلة في التعبير لم تكفي يوماً لترجمة ما قد يريد القلب أن يقول من خلالها… حتى العقل تراه في بحث دائم على طرق ووسائل جديدة ليتمكن صديقه القلب من التعبير.

ترى الكلمة الواحدة تستعمل في أكثر من مكان، في أكثر من معنى، هذا إن كانت محرّكة  بشاعرية أديب، ام متسلّقة للقلوب ببراءة طفل… ومن يصله المعنى الحقيقي المقصود به وراء تلك الكلمات؟ ترانا اليوم نستنجد بالرسومات الصغيرة  نرافقها والكلمات، والمقصود ربما ما زال يختبئ في تفاصيل العيون التى تقع شاردة بين تلك الصور وهذه الكلمات.

وهكذا راحت سلمى تصطاد في معاني كلماتهم كل المعلومات التي أبعدوها عنها، تتأمل أن تجد نفسها واحدة منهم، كانت تتفاجئ للكم الهائل من الاشياء المشتركة بينها وبينهم، فهي تحب ما يحبون وتكره ما يكرهون وإذا بقيت أشياء غير مشتركة في دوائرهم، كانت وقد علّلت وجود  تلك الفوراق بالاستثناء الذي وجدته في  كل القواعد وكل المعادلات، ليكون الاستثناء ذلك الرونق الذي يغذي الحياة وجوداً وبقاءاً.

تتابع محاولة الاقتراب اكثر واكثر، تعطيهم مما لديها بكرمها وصراحتها، تعطيهم لتأخذ، تأخذ منهم لتعطي… لتنصهر تلك المعادلة في كلمة واحدة “حياة” لا ندري ان كنا نأخذ اولا لنعطي ثانية، ام نعطي اولا لنأخذ ثانية، كتلك المعضلة في الدجاجة والبيضة ومن كان أولاً.

كان الوقت يمضي بسرعة على هذه الحال وسلمى تحوّش بأحاسيسها وتختزن في جوفها ولم تجد بعد الحبيب الذي تبحث عنه لتتقاسم معه الروح والاشياء، فتقول محاولة وصف حالتها: “وكأنني خزان وقد امتلئ حدّ الانفجار”. كانت سلمى قادرة بذكائها أن تختار الأفضل دوماً لتكون ناجحة في عملها، ولكن الخيارات المتاحة امامها هنا قليلة جداً وصعبة جداً: اما الانفجار الذي بدوره يعني الانتحار وإما ثقب فتحات صغيرة في الجوف لتسريب الضغط. والخيار واجب : سلمى تريد البقاء.

فما همها الآن اين ستذهب أحاسيسها. والى كم شخص ستسمع دقات من قلبها. فتقول :” كما لم يجدني الشخص الذي أبحث عنه، لأتابع الحياة عليي أن أعطي منّي في أي مكان، في كل مكان… فإن كان همّهم البحث عن أشيائي سأعطيهم أشيائي، لكنني سأسلب منهم ما ما لا يعرفونه عن أنفسهم… فلكل شيئ ثمنه.

وراء كلمات سلمى تظهر الطريق الى قلبها قصيرة، لكن على الباب هناك كانت قد وظّفت عقلها حارساً. تحاول سلمى ان تشبّه العلاقة بين قلبها عقلها وارادتها فتقول :” إن كان عازف البيانو يستطيع ان يتحكّم ببيديه ويحافظ على استقلالية تامة بينهما، أنا أصبحت أتحكم بعقلي بعيدا عن قلبي، وأستطيع أن امزج بينهما كيفما أشاء.

وهكذا كل ما ترّبع أحد منهم قرب باب قلبها، تبدأ عناصر المخابرات ـ التي جيّشها عقل سلمى ـ بالعمل لتصل الى ما وراء نواياه. والويل لمن جاءها لأشيائها ونسي سلمى التي هي. لأنها هنا ستصبح شريرة، شريرة جدا كما تصف نفسها.

(6)

فادي كان أقرب شخص لها، كانت تخبره كل شيئ حتى أعمالها التي تصفها بالشريرة، فهي لا تدري لما لم تفعل معه ما فعلته وتفعله مع غيره من طرقها، ربما لأنه كان اول شخص، ربما لأنها تخاف أن تعرف حقيقة لا تريدها، حقيقة أن يكون هو الآخر قد أتاها لأشيائها. تقول سلمى :” قبل أن اتعرف الى فادي لم أك بعد قد طوّرت طرقي في التأكد من نواياهم، ولكنني بإخباره عن كل ما افعل أكون عل الأقل قد قدّمت له سلمى بكل ما فيها، ما كانت وكيف أصبحت، ليعرف إن أراد أن يقترب هو الآخر ما قد اقوى على فعله”.

ما كانت ستخبر فادي عنه هذا المساء هي الطريقة التي استعملتها مع عصام لتعرف نواياه. عصام هو لبناني آخر تعرفت اليه سلمى منذ فترة قصيرة، حيث أخذ محاولاً التسلّق بسرعة الى قلبها .لم تفهم سلمى سبب السرعة التي أتى بها عصام، لا تعرف ما قد سلبت المكنة منه هو ايضاً، لذلك لجأت وبسرعة الى عقلها.

كان عصام يردد على سلمى حبه لها، بأجمل أشعاره، يؤلف القصائد ككل الرجال اللذين يعرفون ما قد تفعله الكلمات الجميلة بالنساء. سلمى قوية جداً ولن تسمح لنفسها أن تقع بأي بحر من الكلمات وكيف لا تكون قوية وهي تعرف جيداً ما قد تخفيه الكلمات من وراء الشاشة.

أخبرت سلمى صديقتها وفاء عن قصتها مع عصام، وطلبت منها ان تساعدها في معرفة حقيقة عصام وعن ماذا يبحث. أعطت عنوانه الالكتروني لصديقتها لتتعرّف اليه، طبعاً هو لا يعرف أي شيئ عن صديقة سلمى. راحت  وفاء لتتعرّف اليه بدأت الأمور على بطئ بينهما (بين عصام ووفاء) من ثم لتتطور العلاقة الى أن يبدأ عصام بكتابة الشعر على مسمع وفاء، يخبرها أنه أعُجب بها اولاً وبأنه بدأ يحبها ثانية، وهي تضحك أمام شاشتها على ذلك الشاعر.

عصام ما زال يقص على سلمى حبه لها وأنه يريد أن يراها لتتطور علاقتهما أكثر، وفي نفس الوقت كان يستعمل نفس الكلمات مع وفاء. طبعاً كانت وفاء تخبر  سلمى بكل شيئ حتى أنهما كانا يجلسان جنبا الى جنب عندما كان يتحادث عصام مع احداهما…

فبنفس تلك  الطريقة وبأقوى منها أخذت سلمى تحاول معرفة ما يجري في الجهة المقابلة من الشاشة، لتكون فضيجة الشخص المرحلة التي تأتي ما بعد معرفة نواياه. وربما كلمة فضيحة ليست كافية حيث كانت سلمى تفضّل أن تستعمل كلمة الذل الذي تراه يحيط بوجوهم عندما تخبر عما فعلوه وما أقدموا عليه.

فادي كان دائماً يعلّق على أفعال سلمى تلك، حيث كان مسالماً يعطيها الحق بما تفعله ويستنكر الطريقة التي تستعملها. كانت تريد أن تسمع منه كلمات قاسية يؤنبها فيها على اعمالها تلك، لأنها تعرف أنها قد تصبح أكثر إدماناً على تلك الوسائل التي بدأت تأخذها كتسلية في وقت فراغها. لكن فادي كان يكتفي بالليونة في اعطاء رأيه خوفاً على سلمى التي ربما يكون قد أحسّ بها وبعذابها.

>>> يتبع

رد واحد to “سلمى : رواية”

  1. aziz2003277 Says:

    هدا النص غير مرغوب فيه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: